قدّمت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية مساهمة إلى المقرّرة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير، في إطار النداء الجامع للمعلومات حول حالة حرية الرأي والتعبير في ألمانيا. وسلّطت المساهمة الضوء على اتساع الفجوة بين الضمانات الدستورية القوية والواقع المعاش للصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والمجتمعات المنفية المتأثرة بالقمع العابر للحدود. وأشارت المؤسسة إلى أن الاعتراف السياسي الألماني بهذه الظاهرة في مايو/أيار 2025 لم يترجم بعد إلى تدابير حماية فعلية أو آليات تشغيلية واضحة، رغم أثرها الخانق والمتزايد على حرية التعبير داخل البلاد.
توضح المساهمة أن القمع العابر للحدود يقوّض قدرة الأفراد على المشاركة في الحياة العامة عبر طيف واسع من الممارسات؛ تشمل الاستهداف الرقمي المباشر الاختراقات والمراقبة، وحملات التبليغ المنسّقة لإغلاق الحسابات، والترهيب الميداني والملاحقة خلال الفعاليات العامة. كما ترصد المساهمة ممارسات “القسر بالوكالة” عبر استهداف عائلات المعارضين في بلدانهم، والحملات الجندرية المسيئة التي تستهدف الصحفيات والمدافعات، فضلاً عن الضغوط القنصلية وحرمان الأفراد من وثائقهم الأساسية. وتعتمد هذه الانتهاكات تكتيكات تقع “تحت العتبة الجنائية”، مما يسمح لها بالإفلات من الملاحقة نتيجة ضعف الوعي المؤسسي لدى السلطات، وهو ما يتطلب استجابة تتجاوز الأطر الجنائية التقليدية.
وتوقفت المساهمة عند الممارسات المنهجية للسلطات المصرية كنموذج تطبيقي للقمع العابر للحدود، حيث وثّقت المؤسسة “كتالوج” تكتيكات يستهدف المعارضين في الخارج، يشمل: الانتقام من العائلات (القمع بالوكالة) لإجبار المدافعين على الصمت، وتوظيف سلاح القضاء وقوائم الإرهاب والأحكام الغيابية لتعريضهم لمخاطر الترحيل، تسييس الخدمات القنصلية للحرمان من الوثائق الثبوتية، وشن حملات تشهير جندري وتهديدات جنسية ضد المدافعات، واستهداف إعلام المنفى بالمراقبة الرقمية وبرامج التجسس وحجب المحتوى، وصولاً إلى استغلال التنسيق الأمني الإقليمي للملاحقة أو الترحيل.
وفي هذا السياق، أبرز التقرير حالة المدافعة “بسمة مصطفى” ومديرة البرامج بمؤسسة دعم القانون والديمقراطية، التي وثّقتها الأمم المتحدة (AL EGY 6/2024) ؛وحظيت باعتراف رسمي من وزارة الخارجية الألمانية كحالة استهداف واضحة. حيث رصدت المؤسسة تجدد التهديدات بحقها في عام 2025 من ذات الشبكة، وشملت تهديدات بالاختطاف، وحملات تشهير منسقة، ورسائل مباشرة تتوعدها بـ “العقاب”. وهو ما يعكس فشلاً ذريعاً في منظومة الحماية والمساءلة، حيث لم يشكل الاعتراف الرسمي رادعاً للجناة، مما يترك المستهدفين في مواجهة مستمرة مع خطر الإفلات من العقاب.
وأكدت المؤسسة أن تفكك الاستجابة المؤسسية في ألمانيا، وغياب مكتب وطني للتنسيق ونقص التدريب، خلق بيئة تسمح بازدهار القمع بأدنى مستويات المساءلة، مما يمنح الجناة شعوراً بالحصانة. كما أن غياب مسارات إبلاغ مركزية ومتعددة اللغات يحرم المستهدفين من الوصول الفعلي إلى العدالة وتعطيل سبل الانتصاف القانونية، ويؤدي بالتبعية إلى إضعاف ثقتهم في أجهزة إنفاذ القانون ومنظومة الحماية الوطنية.
وفي ضوء ذلك، تدعو مؤسسة دعم القانون والديمقراطية السلطات الألمانية إلى:
- إنشاء مكتب وطني لمكافحة القمع العابر للحدود: يتبع “المستشارية الاتحادية” مباشرة لضمان التنسيق الملزم بين الوزارات السيادية (الداخلية، الخارجية، والعدل) وضمان مركزية القرار.
- تطوير مسارات إبلاغ مركزية “متعددة اللغات”: تكون حساسة للنوع الاجتماعي وللخلفيات الثقافية، وتوفر دعماً قانونياً ورقمياً ونفسياً فورياً.
- التدريب المنهجي للجهات الأمامية: بما يشمل الشرطة والنيابة والقضاة وقطاعات اللجوء، على تكتيكات القمع التي تقع “تحت العتبة الجنائية”.
- تعزيز الحماية الرقمية والمسؤولية التقنية: عبر وحدات استجابة سريعة، ووقف تصدير تقنيات التجسس كجزء من مسؤولية ألمانيا في منع وصول أدوات القمع للأنظمة الاستبدادية.
- تفعيل آليات المساءلة الخارجية: عبر نظام العقوبات الأوروبي (Magnitsky-style) ضد المتورطين، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب بموجب الالتزامات والأطر الأوروبية، ومنع إساءة استخدام التعاون الدولي عبر الإنتربول.
وتشدد المؤسسة على أن هذه المطالب تتماشى تماماً مع التراكم المعرفي والاجتهادات التي قدمتها ولاية المقرر الخاص؛ سواء في تقرير عام 2019 الصادر عن المقرر السابق ديفيد كاي بشأن المراقبة الرقمية، أو تقارير المقررة الحالية أيرين خان لعام 2024، التي حذرت من تهديدات القمع العابر للحدود كخطر وجودي، وأكدت على واجب الدول المضيفة في اتخاذ تدابير إيجابية لحماية المقيمين على أراضيها.
وتؤكد مؤسسة دعم القانون والديمقراطية أن تبني هذه التدابير هو الاختبار الحقيقي لسيادة القانون في مواجهة التهديدات العابرة للحدود؛ فعلى الحكومة الألمانية أن تدرك أن الاعتراف السياسي بوجود القمع العابر للحدود ليس غايةً بحدّ ذاته؛ فبموجب القانون الدولي، يقع على عاتق الدولة ‘واجب العناية والحماية’ (Due Diligence)، وهو التزام قانوني يفرض عليها اتخاذ تدابير فعالة لمنع الانتهاكات وحماية الأفراد الخاضعين لولايتها. إن غياب آليات حماية نافذة وإجراءات تشغيلية واضحة، يجعل ألمانيا بمرور الوقت شريكاً موضوعياً في تمكين هذا القمع على أراضيها نتيجة التقاعس عن أداء هذا الواجب. إن تعثّر التنفيذ وتآكل المساءلة يرسلان إشارة خطيرة مفادها أن القمع العابر للحدود قابلٌ للتعايش داخل ألمانيا؛ وهو وضع لا ينعكس على حرية الرأي والتعبير المضمونة في المادة 5 من القانون الأساسي وحسب، بل يمسّ كذلك أحد أهم الحقوق الأساسية التي يضمنها الدستور الألماني: الحق في السلامة الجسدية والحرية الشخصية وفق المادة 2(2)، وهي حقوق تُعدّ شرطًا جوهريًا لتمكين الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من مواصلة عملهم دون خوف. كما أنّ استمرار هذا القصور يتعارض جوهرياً مع واجبات الدولة الإيجابية في الحماية المستمدة من المادة 1 التي تُلزم السلطات بصون كرامة الإنسان وحمايتها من أي تهديد، بما في ذلك التهديدات العابرة للحدود.
للاطلاع على المساهمة الكاملة المقدَّمة للآليات الأممية، بالإنجليزية :
