مارس 4, 2026
3

برلين في ٢٥ فبراير ٢٠٢٦

تُدين مؤسسة دعم القانون والديمقراطية النمط المتصاعد لعمليات الترحيل الجماعي القسري التي تنفذها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية بحق طالبي لجوء روس، عبر مسارات “تشارتر” خاصة تتخذ من مطار القاهرة الدولي محطة عبور منهجية نحو موسكو. وتؤكد المعلومات والبيانات التي جمعتها المؤسسة من شهادات، وتقارير حقوقية وصحفية موثوقة أن هذه العمليات — التي طالت ما بين 180 و200 طالب لجوء عبر 5 رحلات جماعية كبرى منذ صيف 2025 وحتى يناير 2026 — تُنفذ في بيئة تفتقر لأدنى ضمانات الحماية الدولية؛ مما يحول منطقة الترانزيت بمطار القاهرة إلى “ثقب أسود قانوني” وفخ للإعادة القسرية. كما تستنكر المؤسسة الدور الذي تلعبه السلطات المصرية في “تمكين” هذه الانتهاكات عبر استخدام الإكراه البدني لسد منافذ الاستغاثة الأخيرة أمام المعارضين الروس، وإجبارهم على مواصلة الرحلة نحو وجهة يواجهون فيها مخاطر حقيقية تشمل الاعتقال الفوري، والتحقيقات القسرية، والتجنيد الإجباري.

وقد شهد عام 2025 تنفيذ أربع رحلات في أشهر (يونيو، وأغسطس، وسبتمبر، وديسمبر)، اتبعت جميعها مساراً ثابتاً كشفت الشهادات الميدانية فيه عن وقوع انتهاكات جسيمة داخل منطقة الترانزيت؛ حيث نُقل المرحّلون مكبّلين بالأغلال والسلاسل في ظروف مهينة وغير إنسانية. وتبرز من بين هذه الانتهاكات الواقعة التي حدثت في رحلة أغسطس 2025، حين استخدمت عناصر أمنية مصرية القوة البدنية المفرطة لتقييد المعارض الروسي أرتيوم فوفشينكو في مقعد طائرة متجهة إلى موسكو رغم استغاثاته، ليتم اعتقاله فور وصوله؛ بينما تلقى ركاب رحلة ديسمبر 2025 استدعاءات تجنيد فورية للالتحاق بجبهات القتال. 

ولا تُعد هذه الواقعة معزولة؛ إذ تفيد المعلومات بتعرض مرحّلين آخرين —حاولوا طلب الحماية داخل مطار القاهرة— للاعتداء البدني والضرب من قبل عناصر أمنية مصرية لإجبارهم على مواصلة الرحلة. وهو المصير الذي واجهه الناشط ليونيد ميليخين، الذي دخل الولايات المتحدة عبر مسارات رسمية هرباً من القمع في مدينة ‘بيرم’ الروسية، إلا أنه رُحل قسراً عبر مسار الترانزيت المصري؛ ليتم اعتقاله فور وصوله إلى روسيا ويواجه حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة ‘تبرير الإرهاب’ بسبب نشاطه السلمي، وهو ما يثبت تحول مطار القاهرة إلى فخٍّ مُحكم لإغلاق كافة سبل النجاة أمام طالبي الحماية.

واستمراراً لهذا النمط الممنهج، انطلقت أحدث هذه العمليات من مطار Mesa بولاية أريزونا في 25–26 يناير 2026، وضمت عشرات المرحّلين من روسيا وإيران ودول ناطقة بالعربية؛ حيث تضمنت محاولة ترحيل لأشخاص ما زالت ملفاتهم قيد النظر القضائي في الولايات المتحدة، ولم يُمنع ترحيل تسعة منهم إلا في اللحظات الأخيرة بضغوط حقوقية وقانونية، فيما نُقل العشرات قسراً عبر القاهرة إلى موسكو.

وتشدد المؤسسة على أن تحويل مسار الترحيل من الرحلات التجارية العادية إلى رحلات “تشارتر” خاصة تعتمد مطار القاهرة كمحطة عبور إلزامية، لا يمثل مجرد تغيير لوجستي، بل يعكس استراتيجية أمنية متعمدة لحرمان المرحّلين من الحق في طلب الحماية أثناء العبور و”سد منافذ الاستغاثة” أمامهم. وتؤكد مؤسسة دعم القانون والديمقراطية أن تجريد المرحّلين من وسائط التواصل داخل مطار القاهرة، واستخدام الإكراه البدني لإجبارهم على استقلال طائرات العودة، ينزع عن منطقة الترانزيت صفتها كمساحة دولية آمنة، ويحولها إلى “ثقب أسود قانوني” تُهمَّش فيه الالتزامات الدولية لمصر. إن وجود المرحَّلين داخل مطار القاهرة يضعهم قانوناً تحت “الولاية والسيطرة الفعلية” للسلطات المصرية؛ وهو ما يرتّب التزاماً سيادياً مباشراً بضمان تمكينهم من الوصول الفعلي لإجراءات الحماية الدولية، وعدم نقلهم إلى وجهة يواجهون فيها خطراً حقيقياً بالتعذيب أو الاضطهاد.

وجدير بالذكر إن منع النزول أثناء العبور، وحرمان المرحلين من الوصول للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يمثل انتهاكاً جوهرياً لقواعد القانون الدولي، ولا سيما:

  • المادة 33 من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين (حظر الطرد أو الرد/عدم الإعادة القسرية).
  • المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب (حظر التسليم إلى دول يُواجه فيها الشخص خطرًا حقيقيًا للتعذيب).
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ضمانات الحرية والأمان والإجراءات الواجبة)، والقواعد المستقرة في القانون الدولي العرفي ذات الصلة بمبدأ عدم الإعادة القسرية.

إن مسار (الولايات المتحدة ← مصر ← روسيا) يمثّل نموذجاً مترابطاً من “القمع العابر للحدود بالوكالة”، ويؤدّي عملياً إلى إعادة قسرية عبر سلسلة متكاملة من الأدوار؛ حيث تتحمّل الولايات المتحدة مسؤولية البدء بعملية الترحيل القسري عبر رحلات خاصة، مع علمٍ مُسبق بمخاطر إيصال المرحّلين إلى روسيا عبر القاهرة، وبانعدام ضمانات المراجعة والحماية أثناء العبور. وتتحمل مصر مسؤولية إجبار الركاب على إكمال رحلتهم إلى روسيا دون أدنى اعتبار للمخاطر الجسيمة التي تنتظرهم فور وصولهم. أمّا روسيا، فهي الطرف المستفيد النهائي الذي يفرض إجراءات انتقامية مُتوقّعة بحق المُعادين (اعتقال، تعذيب، تجنيد قسري)؛ الأمر الذي يُمكّن السلطات الروسية من فرض سطوتها على المعارضين في الخارج، وتوجيه رسائل مفادها أن تمكّنهم من الفرار لا يعني بالضرورة وصولهم إلى ملاذ آمن يحميهم من الملاحقة والتنكيل.

إن مؤسسة دعم القانون والديمقراطية وهي تشير إلى أن المعلومات الواردة تستند إلى شهادات متسقة ومصادر موثوقة تم التحقق منها، فهي تدعو الجهات المختصة في الدول ذات الصلة إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف في هذه الوقائع لضمان المساءلة.

وتوصي بما يلي:

أولًا – إلى السلطات المصرية

  1. وقف استخدام القوة أو الإكراه لتنفيذ الترحيل داخل الترانزيت، وضمان سلامة الركاب و كرامتهم، وتمكينهم من الوصول إلى آليات الحماية الدولية. 
  2. تمكين المرحلين  من التواصل مع مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين داخل مناطق العبور.
  3. السماح بممارسة حق اختيار وجهة آمنة بديلة والتوقف عن لعب دور “الممر الإجباري” الذي يسد منافذ الاستغاثة أمام طالبي اللجوء.
  4. وضع بروتوكول واضح للتعامل مع طلبات اللجوء في الترانزيت واعتماد تعليمات مكتوبة تُعمّم على الشرطة وحرس الحدود والأمن الوطني وشركات الخدمات الأرضية، تتضمن حظر تقييد حرية الحركة دون أساس قانوني ومنع أي استخدام للقوة لفرض الترحيل القسري.

ثانيًا – إلى الحكومة الأمريكية

  1. مراجعة قانونية فورية وتعليق الرحلات الخاصة عبر القاهرة: وقف جميع رحلات الشارتر التي تلتف على الرقابة القضائية وتعرّض طالبي اللجوء لخطر التسليم غير المباشر للأجهزة الأمنية الروسية.
  2. الكشف عن طبيعة التنسيق الأمني مع السلطات المصرية والروسية بشأن ضمانات الحماية، وإتاحة مسارات تدقيق مستقلة للمحامين والمنظمات الحقوقية.
  3. تمكين طالبي اللجوء في حال استنفاذ المسارات القانونية داخل الولايات المتحدة، من اختيار وجهة آمنة، ووقف ترحيلهم القسري في مسار يؤدي في النهاية لإعادتهم غير الآمنة إلى روسيا. 

ثالثًا – إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 

  1. تفعيل آلية “إخطار فوري” تُلزم سلطات المطار بإبلاغ المفوضية بأي طلب حماية في الترانزيت، مع ضمان وصول المحامين (الشركاء القانونيين) للحالات قبل اتخاذ أي قرار بالترحيل.
  2. إصدار تقارير دورية توثق حالة حماية اللاجئين في المطارات لضمان المساءلة، والضغط على الدول الموقعة لتوفير “تأشيرات حماية عاجلة” أو مسارات إجلاء سريعة للحالات العالقة في المناطق الرمادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *