يناير 22, 2026
Designer

 تؤكد المنظمات الحقوقية المستقلة الموقعة أدناه أن الانتخابات التشريعية لمجلس النواب والمقرر انطلاقها غدًا 10 نوفمبر تأتي في ظل قيود مُحكمة على المشاركة السياسية الفعالة. إذ تواصل السلطات المصرية قمع التنظيم السياسي المستقل، ومصادرة المعارضة السلمية وإقصاء المعارضين عن الشأن العام، مما يقوض أي احتمال لانتخابات تنافسية حقيقية. لذا فمن المرجح أن تعزز هذه الانتخابات من الوضع الاستبدادي القائم، بدلًا من توفير مسار ديمقراطي للمواطنين لاختيار ممثليهم بحرية.

أن فتح المجال العام في مصر يستلزم خطوات ملموسة لاستعادة الحقوق الأساسية في حرية التجمع والتعبير وتكوين الجمعيات وحرية الإعلام، بوصفهم ركائز أساسية للحياة السياسية والبيئة الانتخابية السليمة. كما ينبغي على السلطات المصرية أن تضع حدًا للانتقام من المعارضين السلميين، وأن تطلق سراح المحتجزين منهم عقابًا على ممارستهم السلمية لحقهم في التعبير والتنظيم، وأن تتيح لكل الأفراد والأحزاب المشاركة في العملية الانتخابية دون تدخل أو خوف من الملاحقة. 

في السنوات الأخيرة، في ظل حكم الرئيس السيسي، لم يكن مجلس النواب آلية للتمثيل الديمقراطي أو للمساءلة العامة، بل اقتصر دوره إلى حد كبير على المصادقة على قرارات السلطة التنفيذية وتسهيلها، دون أن يمارس أي رقابة فعلية. ومن المرجح أن تعيد العملية الانتخابية المرتقبة إنتاج هذا الدور، بتكريس هيئة تشريعية لا تملك أي أدوات رقابية، تفتقر إلى التوازن وتوفر بالكاد حيزًا رمزيًا للتعددية.

وفي المقابل، تبقى فرص المعارضة المصرية، المفككة والمهمشة أصلًا، محدودة للغاية. إذ أدت سنوات القمع المتواصل، بما في ذلك تفكيك الأحزاب المستقلة والمنظمات المدنية، إلى إخضاع الساحة السياسية بالكامل تقريبًا لأجهزة الأمن. والتي أقرّإعلاميون موالون للحكومة أنها تدير مجلس النواب وتعد تقارير المتابعة وتقييم الأداء لنوابه. كما أدى تدخل الأجهزة الأمنية المستمر في عملية اختيار المرشحين وتشكيل القوائم الانتخابية إلى تحويل العمل البرلماني إلى مزايدة بين الموالين للنظام. بينما يعاني المرشحون السياسيون الجادون من استهداف منهجي، ينطوي على حالات اعتقال وملاحقات قضائية طالت عددًا منهم، كالمرشحين المحتملين خلال آخر دورتين للانتخابات الرئاسية. ومن ثم، القضاء فعليًا على أي مساحة عامة آمنة يمكن التعبير من خلالها عن آراء سياسية معارضة.

كانت الهيئة الوطنية للانتخابات قد استبعدت من هذه الانتخابات المرتقبة ثلاث قوائم انتخابية وعددًا من مرشحي المعارضة، بذريعة عدم تأديتهم للخدمة العسكرية الإلزامية، في تفسير تعسفي جديد للقانون. إذ سبق لـ 6 منهم على الأقل الترشح والفوز في انتخابات سابقة دون إثارة أي إشكال بشأن موقفهم من التجنيد. علمًا بأن الإعفاء من الخدمة العسكرية في مصر يمكن أن يتم لأسباب لا صلة لها بأي مخالفة، مثل الظروف الأسرية أو لأسباب سياسية أو بسبب الزواج من أجنبية. الأمر الذي يعكس توظيف الهيئة الوطنية للخدمة العسكرية كمعيار سياسي للإقصاء، بما يفتقر لأي مبرر موضوعي، وينتهك المعايير الدولية، بما في ذلك المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تحظر فرض قيود غير مبررة أو تمييزية على الحق في الترشح للمناصب العامة.

في ظل هذا السياق، لم يعد من الضروري مراقبة مؤشرات التزوير والترهيب وشراء الأصوات لتقييم نزاهة الانتخابات التشريعية، إذ بات مجلس النواب، الذي تهيمن عليه الكتل الموالية للحكومة منذ عام 2015، منقطع الصلة إلى حد كبير بالعملية السياسية، وذلك بعدما تخلى عن أي دور رقابي، ولم يُوجه حتى استجوابًا برلمانيًا واحدًا للحكومة في الدورة السابقة. بل وتجنب أي نقاش جدي للسياسات الحكومية، تاركًا دون معالجة موجات متكررة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي عمّقت معاناة المواطنين وسخطهم. كما وافق المجلس ودعم تشريعات قمعية مقترحة من السلطة التنفيذية، مثل قانوني المنظمات غير الحكومية لعامي 2017 و2019، وقانون اللجوء لعام 2024، وقانون الإجراءات الجنائية الجديد، دون استشارة الأطراف المعنية، ودون شفافية، وأحيانًا حتى دون نقاش شكلي.

لقد أضحى مجلس النواب أداة محورية في ترسيخ الحكم الاستبدادي. لا سيما بعدما بات الترشح للانتخابات يتطلب تبرعات ضخمة لصندوق “تحيا مصر” التابع للدولة، بما يتيح للأثرياء شراء أماكنهم على القوائم الانتخابية. كما وفر البرلمان الواجهة “الديموقراطية” المطلوبة للحصول على القروض الأجنبية وطمأنة الحلفاء الدوليين، حتى تتمكن الحكومة من مواصلة دفع فوائد قروضها والاستثمار في مشاريع عملاقة غير مستدامة تغذي شبكات المحسوبية التابعة للمؤسسة العسكرية، والتي تمثل الركيزة الأساسية لحكم السيسي. والأهم من ذلك، أن المجلس النواب أضحى الآلية اللازمة لتمرير التعديلات الدستورية التي من المتوقع أن تمدد مجددًا فترة رئاسة السيسي.

أما بالنسبة للشعب المصري، فوجود برلمان ديمقراطي يمثل خطوة أساسية نحو استعادة الحق في تخطيط مستقبل البلاد، بما يشمل مواجهة أزماتها الاقتصادية المدمرة وحالة الانسداد السياسي. إذ أن البرلمان هو المؤسسة الوحيدة القادرة على تمثيل تنوع المصالح العامة، وحماية الحقوق، وإتاحة قنوات سلمية للإصلاح. ومن ثم، فحرمان المواطنين من هذه المؤسسة لا يرسخ القمع وعدم المساواة فحسب، بل يعمق أيضًا الأزمة الاقتصادية والسخط الشعبي، بما ينذر بعواقب جسيمة على التماسك الاجتماعي والاستقرار طويل الأمد في مصر.

أما بالنسبة للدائنين الدوليين والمستثمرين المحليين والدوليين الذين تحتاجهم البلاد بشدة، فإن وجود برلمان مستقل وديمقراطي لا يُعد مسألة ثانوية، بل شرطًا أساسيًا للمصداقية الاقتصادية والاستقرار طويل الأمد. فمواصلة الإقراض والاستثمار في ظل غياب الرقابة البرلمانية والشفافية يفاقم من الأزمات بدلا من تخفيفها، ويكرس نظامًا يهدر المال العام عبر شبكات الزبونية والفساد. فمن دون سلطة تشريعية مستقلة تراجع الميزانيات، وتوافق على القروض، وتُخضع السلطة التنفيذية للمساءلة، سيتواصل تراجع الوضع الاقتصادي ويبقى رهنًا لقرارات اعتباطية وإنفاق غير خاضع لأي رقابة.

 المنظمات الموقعة:

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

الجبهة المصرية لحقوق الإنسان

إيجيبت وايد لحقوق الإنسان

المنبر المصري لحقوق الإنسان

المفوضية المصرية للحقوق والحريات

مؤسسة دعم القانون والديمقراطية

مركز النديم

لمزيد من المعلومات :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *