تدين مؤسسة دعم القانون والديمقراطية الحصار الشديد الذي تفرضه السلطات المصرية على صُنّاع المحتوى عبر الشبكات الاجتماعية، وخاصة منصة “تيك توك”، تحت مزاعم الحفاظ على “قيم الأسرة المصرية” ومكافحة الجرائم الإلكترونية والمحتوى الضار على الإنترنت. وهو نهج مستمر ويعكس إصرار الدولة على لعب دور الوصي على المجتمع، عبر فرض رقابة أخلاقية واسعة النطاق، بدلًا من احترام حق الأفراد في حرية التعبير والإبداع.
وشهدت مصر مؤخرًا حملة أمنية وقضائية جديدة استهدفت عددًا من صُنّاع المحتوى البارزين، حيث أُلقي القبض عليهم وأُحيلوا إلى النيابة العامة ثم المحاكمة بتهم فضفاضة مثل: “نشر الفسق والفجور”، و”الإضرار بالقيم الأسرية”، و”سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”. وهي تهم دأبت السلطات على استخدامها وتوظيفها منذ سنوات، لتقييد حرية التعبير وحجب المواقع المستقلة والمنصات الحقوقية، مستندة إلى قوانين شرعتها حديثا مثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يجرّم أفعالًا غير محددة بدقة مثل “الاعتداء على قيم الأسرة المصرية”.
وخلال شهر نوفمبر، شهدت مصر سلسلة من الملاحقات الأمنية و الأحكام القضائية بحق صانعي المحتوى الرقمي، كان أخرها: الحكم الصادر يوم ٢٩ نوفمبر ٢٠٢٥ من محكمة القاهرة الاقتصادية بحبس مدون الفيديو البارز محمد عبد العاطي سنتين وتغريمه 100 ألف جنيه، وحبس مدونة الفيديو “قمر الوكالة” 6 أشهر مع الشغل وغرامة مماثلة، مع مصادرة هاتفها.
وفي 28 نوفمبر 2025، تم تأييد حكم حبس “أم مكة” 6 أشهر مع إيقاف التنفيذ وغرامة 100 ألف جنيه، بالتزامن مع مباشرة التحقيقات مع بولا سكينة بالإسكندرية بتهم مشابهة تتعلق بنشر محتوى خادش للحياء. وفي 29 أكتوبر 2025، صدر حكم بسجن مريم أيمن (“سوزي الأردنية”) سنة وتغريمها 100 ألف جنيه رغم تبرئتها من تهمة الاعتداء على القيم الأسرية. أما في 13 سبتمبر 2025، فقد حُكم على مروة يسري (“ابنة مبارك”) بالحبس سنتين. وفي 30 نوفمبر 2025، أخلت النيابة العامة سبيل البلوجر “سلطانجي” و”الإكيلانس” بكفالة 50 ألف جنيه لكل منهما بعد اتهامهما بـ التشكيك في سلامة المنتجات الغذائية.
وقال كريم عبد الراضي، المدير التنفيذي لمؤسسة دعم القانون والديمقراطية: “إن إصرار السلطات المصرية على فرض وصاية على الشعب، من خلال التعامل معه وكأنه غير قادر على التمييز بين المحتوى الضار وغير الضار على شبكة الإنترنت، يمثل نهجًا سلطويًا يهدف إلى التحكم في الوعي الجمعي وإخضاعه لهيمنة الدولة. هذه السياسات لا تقتصر على الرقابة التقنية، بل تسعى إلى فرض صوت واحد في المجال العام، وهو صوت الدولة أو رئيسها، في محاولة لإقصاء أي خطاب مستقل أو نقدي. وقد عبّر الرئيس عبد الفتاح السيسي عن هذا التوجه بوضوح في أكثر من مناسبة، حين طالب المصريين بالاستماع إليه فقط و عدم الالتفات إلى أي صوت آخر، وهو ما يعكس خطورة التوجه نحو إلغاء التعددية الفكرية والإعلامية، التي تُعدّ ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي.”
وأضاف عبد الراضي “لا يمكن النظر إلى استهداف صُنّاع المحتوى بمعزل عن العداء المستحكم الذي تُكنّه الدولة المصرية لحرية التعبير وحرية الإبداع. فالنظام يفرض سيطرة شبه كاملة على وسائل الإعلام التقليدية ومنصات الإنتاج الفني، ويواصل بذل جهود حثيثة للهيمنة على الفضاء الإلكتروني، في محاولة لإغلاق أي نافذة للنقاش الحر أو الإبداع المستقل. هذه السياسات ليست عشوائية، بل هي انعكاس مباشر لفشل الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية وحماية الحقوق والحريات الأساسية. وبدلاً من البحث عن حلول جذرية لمشكلاتها الداخلية، تختار السلطات الطريق الأسهل، تكميم الأفواه، وتضييق المجال العام، والتحكم في الوعي الجمعي، بما يهدد أسس التعددية والديمقراطية في المجتمع المصري.”
أن هذه الأحكام تمثل تصعيدًا خطيرًا في استخدام القضاء الاقتصادي وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات كأدوات لتقييد حرية التعبير الرقمية، من خلال مواد غامضة مثل المادة 25، التي تُجرّم “الاعتداء على قيم الأسرة المصرية” دون تعريف قانوني محدد. هذا النهج يناقض مبدأ الشرعية الجنائية المنصوص عليه في المادة 95 من الدستور المصري، ويصطدم بالضمانات الدستورية والدولية لحرية التعبير، وعلى رأسها المادة 65 من الدستور المصري، والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
تحذر المؤسسة من أن استمرار السلطات في تبني خطاب “الوصاية الأخلاقية” وتحويله إلى سياسة عامة يعيد إنتاج القمع ضد صُنّاع المحتوى المستقلين، ويُسهم في ترسيخ مناخ من الرقابة الذاتية والخوف داخل المجتمع، بدلًا من تعزيز التعددية الفكرية والثقافية التي تشكل جوهر أي مجتمع ديمقراطي.
وتطالب المؤسسة بـ:
- الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين بسبب التعبير الرقمي.
- مراجعة المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وضمان توافقها مع الدستور والمواثيق الدولية.
- وقف الملاحقات الأمنية والقضائية ضد صُنّاع المحتوى بسبب آرائهم أو أسلوبهم في التعبير.
