مؤسسة دعم القانون والديمقراطية توثق دور «الاتحاد» في القمع العابر للحدود، في أعقاب توسيع التحقيق الهولندي مع الوكيل المصري أحمد ناصر ليشمل شبهة العمل لصالح قوة أجنبية.




تتابع مؤسسة دعم القانون والديمقراطية باهتمام بالغ إعلان السلطات الهولندية توقيف رجل مصري (34 عاماً) بتاريخ 27 أكتوبر الأول 2026 للاشتباه في تقديم خدمات لصالح قوة أجنبية. وبحسب البيان الصادر عن الشرطة الهولندية، فإن المشتبه به كان محتجزاً بالفعل على ذمة قضية جنائية أخرى وقت توقيفه في القضية الجديدة.
فيما ذكرت تقارير صحفية، أن أحمد ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج، اعيد توقيفه للاشتباه في ترهيب وتهديدات نفّذها لصالح قوة أجنبية، بموجب قانون التجسس الذي تم تشديده في 2025 (تصل عقوبته لحد السجن 8 سنوات).
ووفقاً للسلطات الهولندية، فإن التحقيق الذي تجريه وحدة التحقيقات والتدخلات الوطنية (LO) يتعلق بعدد من الوقائع التي حدثت خلال عامي 2025 و 2026، وتشير نتائج التحقيق إلى الاشتباه في تورط ناصر في أعمال ترهيب وتهديد خلال عدد من التجمعات والمظاهرات، من بينها فعاليات أُقيمت أمام سفارة بلاده. كما أعلنت السلطات أن الشبهة الجديدة تتمثل في قيامه بأعمال لصالح قوة أجنبية، وهي أفعال تُجرّمها المادة 98d من قانون العقوبات الهولندي.
وأضاف البيان أنه كان موقوفاً بالفعل في إطار تحقيق منفصل تشرف عليه نيابة أمستردام، وذلك على خلفية اتهامات تتعلق بالاعتداء مع سبق الإصرار والسرقة المصحوبة بالعنف. وكانت غرفة المشورة بمحكمة أمستردام قد قررت في 26 أكتوبر 2026 استمرار احتجازه لمدة ثلاثين يوماً في تلك القضية.
أما التحقيق الجديد المتعلق بشبهة العمل لصالح قوة أجنبية، فيجري تحت إشراف النيابة الوطنية الهولندية. وذكرت السلطات أن المشتبه به يخضع حالياً لنظام “القيود الكاملة”، بما يتيح له التواصل فقط مع محاميه، ومن المقرر عرضه اليوم 30 أكتوبر 2026 على قاضي التحقيق.
وتأتي هذه القضية في سياق تحول ملحوظ في تعامل السلطات الهولندية مع مخاطر القمع العابر للحدود والتدخلات الأجنبية داخل مجتمعات الشتات. فعلى مدار السنوات الأخيرة، حذرت السلطات الهولندية من تنامي أنشطة تمارسها دول أجنبية أو جهات مرتبطة بها بهدف مراقبة أو ترهيب أو إسكات معارضين ونشطاء وصحفيين مقيمين في هولندا. كما طورت الحكومة الهولندية سياسات متخصصة لمواجهة ما يُعرف بـ”التدخل الأجنبي غير المرغوب فيه”، واعتبرت أن هذه الممارسات لا تمثل انتهاكاً لحقوق الأفراد المستهدفين فحسب، وإنما تشكل أيضاً تهديداً للأمن الديمقراطي ولسيادة القانون داخل الدولة.
وفي هذا الإطار، دخلت خلال عام 2025 تعديلات تشريعية جديدة حيز النفاذ، من بينها المادة 98d من قانون العقوبات الهولندي، والتي تهدف إلى تمكين السلطات من التحقيق والملاحقة الجنائية للأنشطة التي تُنفذ لصالح قوى أجنبية عندما تمس المصالح الأساسية للدولة أو الحقوق والحريات المكفولة للأفراد داخل هولندا. ومن ثم، فإن التحقيقات الجارية لا تندرج فقط في إطار التعامل مع وقائع جنائية منفردة، بل تعكس توجهاً هولندياً أوسع للتصدي للأنشطة العابرة للحدود التي قد تقوض حرية التعبير والمشاركة السياسية والأمن الديمقراطي داخل البلاد.
وقد أثارت القضية تداعيات سياسية ودبلوماسية لافتة بين هولندا ومصر. فبعد توقيف أحمد ناصر، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً بنظيره الهولندي لمتابعة القضية، وطالب بتوضيح ملابسات التوقيف والإفراج عنه. وفي الوقت نفسه، شهدت السفارة الهولندية في القاهرة احتجاجات استمرت عدة أيام للمطالبة بالإفراج عنه، الأمر الذي دفع السفارة إلى إغلاق أبوابها أمام الجمهور مؤقتاً كإجراء احترازي. وأشارت تقارير إعلامية هولندية إلى أن الاحتجاجات المؤيدة لأحمد ناصر بدت منظمة، وأن متظاهرين كانوا يُنقلون بالحافلات إلى محيط السفارة الهولندية، في وقت نادراً ما تشهد فيه مصر احتجاجات عامة أو تجمعات سياسية مستقلة دون تدخل أمني.
ومنذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، تعرضت العديد من الاحتجاجات والمظاهرات المعارضة للتفريق الأمني والاعتقالات الجماعية والملاحقات القضائية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك حملة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت احتجاجات سبتمبر 2019، والتي شملت آلاف الأشخاص وفقاً لمنظمات حقوقية وتقارير دولية، فضلاً عن القيود المستمرة المفروضة على الحق في التجمع السلمي. وفي هذا السياق، يثير السماح باستمرار احتجاجات داعمة لأحمد ناصر أمام السفارة الهولندية في القاهرة لعدة أيام متتالية، وما رافقها من تغطية إعلامية وتعبئة سياسية، تساؤلات بشأن طبيعة الدعم الذي حظيت به هذه التحركات والظروف التي سمحت بتنظيمها واستمرارها.
ورصدت ووثقت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية على مدار السنوات الماضية أنماطاً من القمع العابر للحدود تستهدف المصريين في المنفى عبر ما تصفه الأدبيات الأممية بـ“الفاعلين الوكلاء”. ويستعرض هذا التوثيق عدداً من الوقائع المرتبطة باتحاد الشباب المصري بالخارج وشخصياته القيادية، من بينهم أحمد ناصر وأحمد عبد القادر. اللذان تظهر اسمائهم في اغلب انشطة الإتحاد بما في ذلك السجلات الرسمية المُسجلة في المملكة المتحدة، والتي شغل فيها كلًا من أحمد عبد القادر وأحمد ناصر مناصب رسمية قبل شطب المنظمة نهائياً في أغسطس 2026.
كما دأب أحمد ناصر وأحمد عبد القادر على تقديم نفسيهما علناً بوصفهما من قيادات وممثلي اتحاد الشباب المصريين بالخارج، وهو ما عرّفتهما به وسائل إعلام مصرية متعددة عند تغطية أنشطتهما ومشاركاتهما العامة. وتشير المواد التي وثقتها المؤسسة إلى أن الاتحاد قدم نفسه بوصفه كياناً يمثل المصريين في الخارج ويدافع عن الدولة المصرية ومؤسساتها، كما وصف الاتحاد نفسه في أحد منشوراته الرسمية على صفحته على فيسبوك بأنه “درع وسيف الدولة المصرية في الخارج”، وهو توصيف يجب النظر له بإهتمام عند تقييم الأدوار والوظائف التي تؤديها الشبكات والأفراد المرتبطون به في سياق الوقائع محل هذا التوثيق. فهي عبارة تعبّر عن دور حماية الدولة ومواجهة خصومها بحسب ما قدّمه الاتحاد عن نفسه، وتتسق مع الخطاب الذي وثّقته المؤسسة في مواد الاتحاد. كما أنه لا يمكن النظر إلى ذلك بمعزل عن سياق أوسع من الخطابات الرسمية التي ربطت على مدار سنوات بين “الدفاع عن الدولة” ومواجهة منتقديها ومعارضيها في الخارج.
وصدرت عن مسؤولين مصريين بارزين تصريحات تضمنت إشارات متكررة إلى محاسبة أو مواجهة الأصوات الناقدة المقيمة خارج البلاد. وفي عام 2018، ألمح الرئيس عبد الفتاح السيسي في تصريحات مصورة، بملاحقة من ينتقد الدولة المصرية من الخارج قائلاً “كله هيتحاسب”. كما أثارت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج السابقة نبيلة مكرم جدلاً واسعاً خلال لقاء مع أفراد من الجالية المصرية في كندا عام 2019، عندما قالت إن أي شخص في الخارج يتحدث ضد مصر “يتقطع”، مصحوبة بإشارة بيدها إلى الرقبة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها إشارة إلى الذبح أو قطع الرقبة.
وشكلت هذه التصريحات بمرور الوقت، بيئة خطابية تصور معارضي الحكومة ومنتقديها في الخارج باعتبارهم تهديداً للدولة أو خصوماً لها، وهو الخطاب الذي يتكرر بصورة لافتة في العديد من المواد والمنشورات والأنشطة المرتبطة بالوكلاء محل هذا التوثيق.
- الحملة المنسقة أمام البعثات الدبلوماسية المصرية في أوروبا (15-25 أغسطس 2025)
وجاءت هذه الحوادث في أعقاب احتجاج نفذه الناشط المصري المقيم في هولندا أنس حبيب أمام السفارة المصرية في لاهاي خلال يوليو 2025، على خلفية الحرب في غزة والمطالبة بفتح معبر رفح وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
ورداً على هذه الاحتجاجات، جرى تداول تسجيل صوتي منسوب إلى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بتاريخ 14 أغسطس 2025، تضمن حديثاً بشأن التعامل مع المحتجين أمام البعثات الدبلوماسية المصرية في أوروبا. ودعا الوزير إلى التعامل بحزم مع المحتجين أمام السفارات المصرية، قائلاً إنه في حال قيام أي شخص باستهداف السفارات أو بواباتها: “أمسكوه، اربطوه وسلموه للشرطة”، كما أشار إلى ضرورة ألا تظهر مصر بمظهر “الضعيف أو المهان”.
وعقب ذلك، رصدت المؤسسة ظهور عدد من قيادات وأعضاء اتحاد شباب المصريين بالخارج أمام السفارات المصرية في عدة دول أوروبية، مستخدمين خطاباً موحداً تمحور حول “حماية السفارات” ومنع المعارضين من الاقتراب منها، ومصحوباً بتهديدات متكررة بحق من وُصفوا بـ“الخونة” و”العملاء” و”الإرهابيين”.
وفي 15 أغسطس ظهر أحمد ناصر أمام السفارة المصرية في لاهاي معلناً ما وصفه بـ“حظر التجوال” ومهدداً بأن “أي حد يقرب من السفارة” سيتم “سحقه”. وفي اليوم نفسه، في مكالمة فيديو بين عبدالقادر وناصر تم بثها عبر فيسبوك، ظهر فيها عبدالقادر قائلًا: “أي حد يقرب من السفارة وانتوا موجودين ينداس زي الصرصار“.
وفي 19 أغسطس ظهر أحمد ناصر أمام السفارة المصرية في بلجيكا معلناً مجدداً “حظر التجوال” ومضيفاً: “لو أي حد يجرؤ ييجي ويمس سور السفارة… هربطك هنا”.
وفي 22 أغسطس ظهر أحمد ناصر أمام السفارة المصرية في برلين برفقة عدد من الأشخاص المرتبطين باتحاد الشباب المصري بالخارج، من بينهم “علاء ثابت” وهو إسم مستعار ويصف نفسه برئيس الجالية المصرية في ألمانيا، متحدثاً عما وصفه بـ”فرض حظر التجوال” حول السفارة المصرية وموجهاً تهديدات إلى من وصفهم بـ“الإخوان” و“الخرفان” و”الخونة”، قائلاً: “خلي اي حد يجرؤ يقرب”. كما تضمن التسجيل المصور تصريحات أخرى جاء فيها: “أي حد يقرب هنمسحه من على وش الأرض”. وفي منشور لاحق نُشر من أمام السفارة المصرية في برلين، ظهر أحمد ناصر إلى جانب أحمد عبد القادر وآخرين، معلناً ما وصفه بـ”حظر التجوال على الخرفان والخونة”، ومضيفاً: “خلي أي حد يجرؤ يقرب من سفارات مصر وإحنا موجودين بالخارج… والله هنفعصه“.
وفي 22 أغسطس، ظهر ممثل اتحاد الشباب المصري بالخارج في فرنسا، سامح أبو زيد، في تسجيل مصور من أمام السفارة المصرية في باريس، موجهاً تهديدات إلى من وصفهم بـ“الإرهابيين والخونة والعملاء”، قائلاً: “إحنا هنا قدام السفارة المصرية ليل ونهار، مستنيين بس أي حد ييجي. اللي هييجي هنكسر رجله وإيده“.
وفي 25 أغسطس ظهر أحمد عبد القادر في تسجيل مصور من لندن، قائلاً: “أي حد منكم يجرؤ يقرب من أي حاجة تمس الدولة المصرية، أنا هحاسبه هنا… بالجزمة هيتفعص هنا زي الصرصار… الخرفان… الفران… الصعاليك… مصر أشرف دولة واللي هيقرب لها هنشيله من على وش الأرض أيّاً كان هو مين.”
وفي اليوم نفسه، أوقفت السلطات البريطانية أحمد عبد القادر على خلفية وقائع مرتبطة باحتجاجات أمام السفارة المصرية في لندن، وذلك عقب بلاغات وشكاوى تقدم بها نشطاء مصريون، من بينهم أنس حبيب. وتدخل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على المستوى الدبلوماسي وتواصل مع مستشار الأمن القومي البريطاني بشأن القضية، كما كلف السفارة المصرية في لندن بمتابعة القضية وتقديم الدعم القنصلي له، في حين أشارت تقارير إعلامية إلى أن عبدالقادر كان يواجه اتهامات تتعلق بحيازة أداة حادة والإخلال بالنظام العام على خلفية الأحداث المرتبطة بالسفارة المصرية في لندن. ويوم 27 أغسطس، كتب عبد القادر فور خروجه منشوراً وجّه فيه الشكر إلى الرئيس المصري ووزير الخارجية والدولة المصرية على ما وصفه بالدعم والمساندة.
وفي الوقت نفسه، حظيت القضية بتغطية واسعة في وسائل إعلام مصرية رسمية وقريبة من الحكومة، قدمت عبد القادر بوصفه رئيس اتحاد الشباب المصري بالخارج وأحد القائمين على ما وصفته بحماية السفارات المصرية في أوروبا. وبعد عودته إلى مصر في ديسمبر 2025، ظهر أحمد عبد القادر في لقاءات ومناسبات عامة مع مسؤولين حكوميين، من بينها لقاء مع وزير الشباب والرياضة أشرف صبحي في يناير 2026. وفي منشور نشره عقب اللقاء، أشار عبد القادر إلى أنه تلقى قبل ذلك بأيام ما وصفه بـ“التكريم الأعظم” من الدولة المصرية، دون أن يوضح طبيعته أو الجهة التي منحته هذا التكريم. كما جرى تكريمه لاحقاً من قبل صحيفة الدستور المقربة من الحكومة المصرية باعتباره “رمز الشباب المصري لعام 2025”. وفي يوليو 2026 أعلنت هيئة الادعاء الملكية البريطانية وقف الملاحقة الجنائية بحق عبد القادر، موضحة أن الأدلة المتاحة لا توفر أساساً كافياً لوجود احتمال واقعي للإدانة.
- هجوم علي فعالية تحت عنوان “المؤتمر الوطني الأول للمعارضة المصرية بالخارج” هولندا (سبتمبر 2026)
وثقت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية واقعة أخرى تتعلق بالمؤتمر الوطني الأول للمعارضة المصرية بالخارج، الذي عُقد في لاهاي بهولندا في 16 سبتمبر 2026 بمشاركة شخصيات سياسية، بهدف مناقشة قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومستقبل العمل العام المصري في المنفى. وخلال الفترة المحيطة بالمؤتمر، رصدت المؤسسة سلسلة من المنشورات والمقاطع المصورة المنسوبة إلى اتحاد الشباب المصري بالخارج، تضمنت استهدافاً مباشراً للمؤتمر ومشاركيه.
ومن بين المواد التي وثقتها المؤسسة مقطع مصور حمل عنوان “كانوا فاكرين إنهم بعيد عن إيد الدولة المصرية”، وتضمن إشارات صريحة إلى مراقبة المؤتمر ورصد تحركات المشاركين فيه وتوثيقها، كما عرض مشاهد مصورة من داخل وحول الفندق الذي استضاف الفعالية، إلى جانب صور لعدد من المشاركين. واستخدم المقطع لغة توحي بتنفيذ “عملية” موجهة ضد المؤتمر، بما في ذلك ظهور عبارة “العملية الثانية – هولندا” ودعوات إلى “التوثيق الكامل لكل حركة”. كما اختُتم الفيديو بمقطع مصور للرئيس عبد الفتاح السيسي يقول فيه: “أي حد بيطلع على القنوات الفضائية بره… كله هيتحاسب”. وتلفت المؤسسة الانتباه إلى أن المقطع حُذف لاحقاً من المنصات التي نُشر عليها عقب توقيف أحمد ناصر، إلا أن المؤسسة تحتفظ بنسخة كاملة منه ضمن مواد التوثيق الخاصة بها.
وبالتوازي مع ذلك، نُشرت سلسلة من المنشورات استهدفت عدداً من المشاركين بالاسم، تضمنت أوصافاً من قبيل “الخونة” و”الجواسيس”، إلى جانب الادعاء بتتبع بعض المشاركين وتصويرهم ونشر معلومات وصور تتعلق بهم. كما وُصف المؤتمر علناً بأنه “مؤتمر الخونة”، وتحدثت منشورات أخرى عن “اختراق غير مسبوق لمؤتمر الخونة”.
كما وثقت المؤسسة منشورات أخرى نشرها أحمد ناصر احتفى فيها بحذف وإزالة المواد الدعائية والمنشورات الخاصة بالمؤتمر الوطني الأول للمعارضة المصرية بالخارج قبل انعقاده. وتضمنت هذه المنشورات عرض صور لعدد من المنشورات والمواد التعريفية الخاصة بالمؤتمر بعد حذفها، مع الإشارة إلى ما وصفه بدور “الفريق الإعلامي” في استهداف محتوى المؤتمر على المنصات الرقمية.
- استخدام الفضاء الرقمي كأداة للقمع العابر للحدود
كما وثقت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية نمطاً آخر من أنماط الاستهداف تمثل في حملات رقمية منسقة استهدفت معارضين ونشطاء مصريين مقيمين في الخارج. ففي 19 سبتمبر 2026 نشر أحمد ناصر سلسلة من المنشورات عبر حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي احتفى خلالها بإغلاق وإزالة حسابات تابعة لنشطاء ومنتقدين للحكومة المصرية، ونسب هذه الأنشطة بصورة متكررة إلى ما وصفه بـ“الفريق الإعلامي” التابع لاتحاد الشباب المصري بالخارج.
وشملت الحسابات التي أعلن استهدافها حسابات الناشطين طارق حبيب وأنس حبيب، إلى جانب حسابات أخرى للناشطة البريطانية المصرية منى الشاذلي. وكانت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية قد وثقت سابقاً تعرض خمسة من أفراد أسرة الشاذلي في مصر للاعتقال أو الاحتجاز أو الاختفاء القسري على خلفية نشاطها السلمي وآرائها السياسية.
كما تضمنت المنشورات إعلان أحمد ناصر عيد بدر مسؤوليته، ومعه ما وصفه بـ”الفريق الإعلامي” بتنفيذ حملات إبلاغ منسقة أدت إلى إغلاق أو تقييد حسابات على فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، إلى جانب نشر صور ومعلومات تتعلق بأشخاص بعينهم. كما استخدم أحمد ناصر في هذه المنشورات أوصافاً متكررة بحق المستهدفين، من بينها “الخونة” و”الجواسيس” و”الإرهابيون”، واحتفى علناً بما وصفه نجاح “الفريق الإعلامي” التابع للاتحاد في إغلاق حساباتهم واقصائهم من المنصات الرقمية.
- استخدام المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي في القمع العابر للحدود
كما وثقت المؤسسة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في سياق حملات الترهيب والاستهداف. فقد نشر أحمد ناصر مقطعاً مصوراً مولداً بالذكاء الاصطناعي يظهر فيه الناشط المصري المقيم في هولندا أنس حبيب وهو يتعرض لاعتداء بدني على يد أحمد القادر وأحمد ناصر. وتضمن النص المرافق للمقطع إشارات تهديدية مباشرة، من بينها الإشارة إلى استمرار استهداف أنس حبيب وأشخاص آخرين. وتمثل هذه الواقعة مثالاً على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى يحاكي أعمال عنف ضد أفراد محددين في سياق حملات أوسع من التشهير والترهيب والاستهداف العابر للحدود.
وفي مقطع آخر، استُخدمت صور ومشاهد مصطنعة استهدفت أنس حبيب وأفراداً من أسرته، بما في ذلك الإشارة إلى نشر صور ومعلومات شخصية تتعلق بزوجته ووالدته. كما تضمن المقطع عبارات وإشارات فُهمت في السياق المصري باعتبارها تهديدات أو إيحاءات بالعنف الجنسي داخل أماكن الاحتجاز، في إطار محتوى يهدف إلى الترهيب والتشهير والإذلال العلني للشخص المستهدف.
وتُظهر صورة أخرى منشوراً منسوباً إلى أحمد ناصر تضمن محتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي يظهر فيه أنس حبيب في هيئة حشرة يجري سحقها بواسطة طائر جارح، في إطار محتوى يهدف إلى الوصم والتشهير ونزع الشرعية عن الشخص المستهدف.
وتنسجم هذه الممارسات مع ما حذر منه خبراء الأمم المتحدة في بيانهم المشترك بشأن القمع العابر للحدود الصادر في سبتمبر 2026، والذي أشار إلى تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج الصور ومقاطع الفيديو المفبركة (Deepfakes) في حملات التشهير والتهديد والاستهداف الرقمي الموجهة ضد المعارضين والنشطاء في المنفى، إلى جانب استخدام المراقبة الرقمية وكشف المعلومات الشخصية والتحرش عبر الإنترنت بوصفها أدوات متنامية للقمع الرقمي العابر للحدود.
4. فيينا (سبتمبر 2026)
رصدت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية خلال سبتمبر 2026 سلسلة من المواد المصورة والمنشورات التي نشرها أحمد ناصر واستهدفت الباحث المصري مؤمن أشرف، وهو باحث ومعلق سياسي معروف بنشر تحليلات ومواد تنتقد سياسات الحكومة المصرية. وتضمنت هذه المواد مقطعاً مصوراً يظهر مؤمن أشرف في العاصمة النمساوية فيينا، مصحوباً باتهامات له بالتجسس والعمل لصالح أجهزة استخبارات أجنبية واستخدام أوصاف من قبيل “الجاسوس” و“الخائن”.
كما أعقب ذلك نشر صور التُقطت له في العاصمة النمساوية فيينا يوم 6 سبتمبر 2026، مصحوبة بتعليقات تضمنت إشارات إلى مراقبته وتتبع تحركاته وربطت بين وجوده في أوروبا وما وصفه أحمد ناصر بـ”الحساب القادم”. كما تضمنت المنشورات رسائل مفادها أن أوروبا لم تعد تمثل ملاذاً آمناً للمصريين في الخارج، وأن الأشخاص المستهدفين سيظلون عرضة للرصد والملاحقة أينما وجدوا.
وفي 7 سبتمبر 2026 نشر أحمد ناصر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي ظهر فيها مؤمن أشرف في مشهد مصطنع يوحي باحتجازه أو ملاحقته من قبل عناصر أمنية، وذلك بعد أيام من نشر مواد تضمنت مراقبته وتتبع تحركاته في العاصمة النمساوية فيينا. وفي اليوم التالي، 8 سبتمبر 2026، أعلن أحمد ناصر إغلاق أحد حسابات مؤمن أشرف على وسائل التواصل الاجتماعي، في امتداد لنمط من المراقبة والتشهير والاستهداف الرقمي استهدفه بصورة متواصلة خلال تلك الفترة.
البنية التنظيمية
وتُظهر السجلات العامة في المملكة المتحدة أن الكيان الذي عمل من خلاله اتحاد الشباب المصري بالخارج بصورة علنية كان مسجلاً تحت اسم Egyptian Youth Union Abroad CIC، وقد شغل كل من أحمد عبد القادر وأحمد ناصر مناصب رسمية فيه قبل شطب الشركة نهائياً في أغسطس 2026. كما تظهر السجلات العامة ومواد التوثيق عن وجود مجموعة من الكيانات والمشروعات الممتدة عبر أكثر من دولة أوروبية ارتبطت بالأشخاص الواردة أسماؤهم في هذا التوثيق من بينها:
- ONA Sports Investment Limited: شركة بريطانية مملوكة ومدارة من قبل أحمد عبد القادر، ارتبط اسمها بعدد من المبادرات والأنشطة والمشروعات التي ظهر فيها كلًا من أحمد عبد القادر وأحمد ناصر في عدة دول أوروبية خاصة في سياق الكرة الهولندي.
- ONA Sports Car Ltd: شركة مسجلة في المملكة المتحدة تأسست في فبراير 2024 وكان أحمد عبد القادر مديرها الوحيد والمالك المسيطر عليها. وتشير السجلات العامة إلى أنها خضعت لإجراءات الشطب الإجباري قبل حلها نهائياً في يوليو 2025، بعد فترة قصيرة نسبياً من تأسيسها.
- Deutsche Football Academy: مشروع أُعلن عنه في ألمانيا عام 2024 تحت علامة ONA، وظهر فيه كل من أحمد عبد القادر وأحمد ناصر في مناصب قيادية وإدارية، كما جرى الترويج له بمشاركة عدد من الشخصيات البارزة في كرة القدم الهولندية. وقد اختفت المنصات الرقمية الخاصة بالمشروع لاحقاً، وكذلك الموقع الإلكتروني المرتبط به، وعدم العثور على تسجيل تجاري واضح له في ألمانيا. كما تحتفظ مؤسسة دعم القانون والديمقراطية بصور ومواد أرشيفية حصلت عليها خلال مرحلة إطلاق المشروع وتوثق مشاركة القائمين عليه والشخصيات التي استُخدمت في الترويج له.
- ONA Sports Marketing: منصة رياضية على انستجرام ارتبطت بأحمد عبد القادر وأحمد ناصر، كما تتضمن المنصة صوراً تجمعهما بعدد من الشخصيات البارزة في كرة القدم الهولندية. ولا تظهر السجلات المتاحة وجود شركة مسجلة مستقلة تحمل اسم ONA Sports Marketing ويرجح تبعيتها للشركات الأخرى.
ولا تشكل هذه الكيانات في سياق الوقائع محل التوثيق دليلاً على أي مخالفة قانونية بحد ذاتها، وإنما تُظهر وجود هياكل وعلاقات وشبكات ممتدة عبر أكثر من ولاية قضائية أوروبية.
ما يشكل مؤشراََ على امتلاكهم بنية تنظيمية و قدرات لوجستية ومساحات واسعة للتنسيق والحركة العابرة للحدود التي أتاحت ظهور الأنشطة و الأشخاص الواردة أسماؤهم في هذا التقرير في عدة دول أوروبية.
جهود المساءلة
وفي إطار حرص مؤسسة دعم القانون والديمقراطية على تعزيز المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب في قضايا القمع العابر للحدود، قدمت المؤسسة إلى جهات رسمية. ملفاً توثيقياً تضمن الوقائع والأشخاص والشبكات سالفة الذكر، للتحقيق فيها.
كما تقدمت المؤسسة، بناءً على تفويض رسمي من الناشطة المصرية المقيمة في ألمانيا نانسي كمال، في 18 أكتوبر 2026 ببلاغات بشأن وقائع استهداف تعرضت لها من قبل أحمد ناصر عقب مشاركتها بصفتها المتحدثة الرسمية باسم المؤتمر الوطني الأول للمعارضة المصرية بالخارج في لاهاي، وشملت المراقبة والتشهير ونشر صور ومعلومات عنها عبر الإنترنت.
واضطرت نانسي إلى مغادرة مصر عام 2018 عقب تعرضها لعدة حالات توقيف واحتجاز على خلفية نشاطها السياسي، من بينها احتجازها في 10 أبريل 2016، ثم مجدداً في 29 يونيو 2017 قبل الإفراج عنها في 30 أغسطس من العام نفسه. وفي أعقاب مغادرتها البلاد، أصدرت محكمة أمن الدولة طوارئ حكماً غيابياً بحقها في القضية رقم 1 لسنة 2018، و قضت بمعاقبتها بالسجن لمدة عامين. وقد استقرت لاحقاً في ألمانيا اعتباراً من عام 2020.
وقد سبق للناشط السياسي المصري المقيم في هولندا أنس حبيب أن تقدم ببلاغ إلى السلطات الهولندية على خلفية الاعتداء البدني الذي تعرض له من قبل أحمد ناصر في 26 مايو 2026، وهي الواقعة المشار إليها في بيان الشرطة الهولندية الصادر في 28 أكتوبر 2026، والذي أشار إلى تحقيق منفصل تشرف عليه نيابة أمستردام بشأن اتهامات تتعلق بالاعتداء مع سبق الإصرار والسرقة المصحوبة بالعنف. كما تقدم الناشط المصري المقيم في هولندا أدهم حسنين ببلاغ إلى السلطات المختصة في أغسطس 2025، ثم ببلاغ آخر في سبتمبر 2026، بشأن وقائع منفصلة تتعلق بالترهيب والاستهداف المنسوبة إلى عدد من قيادات وأعضاء اتحاد الشباب المصري بالخارج، من بينهم أحمد عبد القادر وأحمد ناصر.
من برلين إلى أوروبا: الظهور المبكر للشبكة (2022)
في 18 يوليو 2022، وعلى هامش زيارة الرئيس المصري إلى ألمانيا، نظم مدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون ونشطاء مصريون في المنفى مظاهرة في برلين للمطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي في مصر. وخلال الفعالية الأولى التي نُظمت أمام قصر الرئاسة في الساعة العاشرة صباحاً، وثقت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية وقائع ترهيب و مضايقات واعتداءات استهدفت المشاركين، تضمنت إهانات لفظية وتهديدات بالعنف ومحاولات لتعطيل الاحتجاج واستهداف المشاركين فيه من قبل بعض قيادات الإتحاد وكان من بينهم احمد عبدالقادر وعلاء ثابت.
وخلال الفعالية الثانية التي نُظمت أمام مبنى المستشارية الألمانية، كان مقرراً عقد مؤتمر صحفي مشترك للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والمستشار الألماني آنذاك أولاف شولتس، تعرضت المدافعة عن حقوق الإنسان ومديرة البرامج بمؤسسة دعم القانون والديمقراطية، بسمة مصطفى، لسلسلة من أعمال الترهيب والاستهداف المباشر. فبينما كانت تقف بمفردها أمام البوابة الرئيسية للمستشارية وتدلي بـ”بيان” تنتقد فيه الزيارة، حاصرها شخصان ووجها إليها إهانات لفظية وأوصافاً مهينة، ورددوا شعارات مؤيدة للرئيس المصري من بينها “تحيا مصر” و”تحيا السيسي”، وانتهت الواقعة باعتداء بدني ارتكبه أحمد عبد القادر بحقها. وجدير بالذكر أن محضر الشرطة الألمانية المؤرخ في 18 يوليو 2022 تضمن إفادة دبلوماسي بالسفارة المصرية في برلين أكد فيها أن أحمد عبد القادر يعمل لديه في السفارة المصرية وأن السفارة على علم بالواقعة، فيما أثبت المحضر كذلك أن عبد القادر نفسه أقر بأنه لا يتمتع بأي صفة أو حصانة دبلوماسية.
وفي أعقاب الاعتداء، نشر أحمد ناصر سلسلة من المنشورات والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي مجّد فيها واقعة الاعتداء على بسمة مصطفى وأشاد بأحمد عبد القادر، مقدماً ما جرى باعتباره فعلاً مستحقاً. كما تضمنت الحملة دعوات صريحة لممارسة مزيد من العنف بحقها، من بينها تعليقات دعت إلى “ضربها سبع مرات على وجهها حتى تفقد الوعي”. بالإضافة إلى ذلك، تضمنت منشورات وتعليقات أخرى إيحاءات ومضامين ذات طابع جنسي مهين، حيث ورد في إحدى التعليقات: “مفروض تخلوها تخلف سيسي صغير عشان تتعلم الدرس كل ما تفكر تتظاهر بره مصر وتشوه صورة مصر”. وتعكس هذه المواد انتقال الاستهداف من الاعتداء الجسدي المباشر إلى حملات تشهير وتحريض وترهيب ممنهجة عبر الإنترنت، كما تبرز البعد الجندري للقمع العابر للحدود، من خلال توظيف العنف الجنسي والإيحاءات المرتبطة به كوسيلة لإسكات المدافعات عن حقوق الإنسان وردع مشاركتهن في المجال العام.
وفي ديسمبر 2024، وجّه خمسة من خبراء الإجراءات الخاصة بالأمم المتحدة مراسلة رسمية إلى الحكومة المصرية أعربوا فيها عن قلقهم إزاء استمرار أعمال الترهيب والمراقبة والتهديد والتشهير والاستهداف العابر للحدود. ووصفت مراسلة الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة الوقائع المبلغ عنها بأنها نمط متواصل من الترهيب والقمع العابر للحدود استهدف بسمة مصطفى في ألمانيا وسويسرا ودول أخرى. وأشارت المراسلة إلى تعرضها للاعتداء البدني في برلين، والمراقبة المستمرة، ومحاولات اختراق الحسابات الإلكترونية، وحملات التشهير والكراهية عبر الإنترنت.
كما أعرب الخبراء عن قلقهم من أن هذه الوقائع قد تمثل أعمالاً انتقامية مرتبطة بعملها الصحفي والحقوقي وتعاونها مع آليات الأمم المتحدة، مشيرين إلى أن بعض الأفعال المبلغ عنها نُسبت إلى أفراد يُعتقد أنهم يعملون لصالح السلطات المصرية أو بموافقتها وأشارت إلى أحمد عبدالقادر صراحة.
كما أُدرجت القضية لاحقاً في تقريري الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأعمال الانتقامية المرتبطة بالتعاون مع الأمم المتحدة لعامي 2025 و2026. وأشار تقرير عام 2026 إلى استمرار التهديدات المرتبطة بالقضية، بما في ذلك رسالة تهديد مباشرة أُرسلت إلى هاتف مصطفى في ألمانيا بتاريخ 17 سبتمبر 2025 من قبل أحمد ناصر، تضمنت إهانات وتهديدات ووعوداً بـ”العقاب”.
كما كانت هذه الوقائع محل بلاغات وشكاوى قُدمت في ألمانيا خلال أعوام 2022 و2024 و2025، وفي المملكة المتحدة في مايو 2025، وفي هولندا في يوليو 2025. كما حظيت القضية باهتمام رسمي داخل ألمانيا، حيث وصفت مفوضة الحكومة الألمانية السابقة لحقوق الإنسان، لويزه أمتسبيرغ، الوقائع الواردة في مراسلة المقررين الخاصين للأمم المتحدة بأنها “باعثة على قلق بالغ”، ودعت الحكومة المصرية إلى الرد على المزاعم المتعلقة بالقمع العابر للحدود والاستهداف المنسوب إلى أشخاص يُعتقد أنهم يعملون لصالح السلطات المصرية أو بموافقتها.
وتشير الوقائع الموثقة في هذا التقرير إلى وجود فجوة ما تزال قائمة في القدرة على تجميع وربط وتحليل المعلومات الواردة من مصادر وولايات قضائية مختلفة، بما يسمح بتحديد الأنماط المتكررة والكشف المبكر عن الشبكات والأفراد الفاعلين عبر الحدود. ومن هذا المنطلق، فان هناك أهمية كبيرة لتعزيز آليات تبادل المعلومات والتعاون القضائي والأمني بين الدول، ليس فقط للتحقيق في الوقائع الفردية، وإنما لفهم الصورة الأوسع للقمع العابر للحدود باعتباره منظومة مترابطة من الأدوار والعلاقات والأنشطة التي تتجاوز حدود الدولة الواحدة، ومنع استمرار الأنماط نفسها وتكرارها عبر ولايات قضائية متعددة.
الفاعلون الوكلاء والقمع العابر للحدود: من العلاقة المؤسسية إلى الوظيفة
وفي ضوء البيان المشترك الصادر عن خبراء الأمم المتحدة في سبتمبر 2026 بشأن القمع العابر للحدود، والذي أكد أن هذه الممارسات لا تُنفذ بالضرورة بواسطة أجهزة الدولة بصورة مباشرة، وإنما قد تُمارس أيضاً عبر فاعلين غير حكوميين يعملون بناءً على تعليمات الدولة أو تحت توجيهها أو سيطرتها، تدعو مؤسسة دعم القانون والديمقراطية إلى النظر إلى الوقائع الواردة في هذا التوثيق من خلال الوظائف التي أدتها هذه الأنشطة والآثار المترتبة عليها، لا من خلال طبيعة العلاقة المؤسسية المعلنة بين الأفراد والدولة فحسب.
ورصدت المؤسسة ظهوراً علنياً متكرر لقيادات الاتحاد الشباب المصري بالخارج بجانب شخصيات رسمية مصرية، ما يعد مؤشرا إلى أن أعمال الترهيب والملاحقة، ومراقبة المعارضين وجمع المعلومات عنهم، والاستهداف الرقمي والتشهير، والحشد المضاد ضد الفعاليات السياسية والاحتجاجات السلمية، قد تمت بالوكالة لصالح أجهزة الدولة، مع الحفاظ على مسافة تفصل بين الدولة والانخراط المباشر في هذه الأنشطة. وتُظهر مواد علنية وصور منشورة لقاءات ومشاركات جمعت بعض الأشخاص الواردة أسماؤهم في هذا التوثيق مع مسؤولين حكوميين وأمنيين مصريين رفيعي المستوى، من بينهم الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة المصرية عباس كامل، ووزير الداخلية المصري الأسبق محمد إبراهيم، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
كما شدد خبراء الأمم المتحدة على أن الدول تقع عليها مسؤولية اتخاذ تدابير وقائية لحماية الأفراد المعرضين لمخاطر القمع العابر للحدود، وإجراء تحقيقات مستقلة وفعالة، وتعزيز التعاون وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة من أجل كشف الأنماط والشبكات العابرة للحدود والتصدي لها. و يتسق ذلك مع قراري البرلمان الأوروبي الصادرين في نوفمبر 2025 ويونيو 2026 بشأن القمع العابر للحدود، واللذين دعوا إلى تعزيز التعاون القضائي والأمني وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء وتحسين قدرة السلطات المختصة على ربط الوقائع الممتدة عبر أكثر من ولاية قضائية.
وفي السياق نفسه، أشارت الورقة الصادرة عن التحالف المدني ضد القمع العابر للحدود في ألمانيا، الذى تعد مؤسسة دعم القانون والديمقراطية من أعضائه المؤسسين، إلى الحاجة للانتقال من التعامل مع الوقائع باعتبارها أحداثاً منفصلة إلى تحليلها باعتبارها أجزاء من نمط مترابط من العلاقات والوظائف والفاعلين العابرين للحدود. ومن هذا المنطلق، ترى المؤسسة أن التحقيقات الجارية في هولندا تمثل اختباراً مهماً لقدرة الدول الأوروبية على ربط الوقائع والبلاغات المتشابهة التي ظهرت في هولندا وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا، بما يسمح بفهم الصورة الكاملة لأنماط القمع العابر للحدود ومنع استمرارها أو توسعها.
التوصيات
تدعو مؤسسة دعم القانون والديمقراطية السلطات الهولندية إلى مواصلة التحقيقات الجارية بصورة مستقلة وشاملة وفعالة، بما يشمل فحص جميع الوقائع ذات الصلة التي أُبلغ عنها خلال السنوات الماضية، وعدم الاقتصار على الحوادث المنفردة، بل النظر فيما إذا كانت الوقائع محل التحقيق تشكل جزءاً من نمط أوسع من القمع العابر للحدود استهدف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان والناقدين للحكومة المصرية المقيمين في أوروبا.
كما تدعو المؤسسة السلطات المختصة في هولندا وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية إلى تعزيز تبادل المعلومات والتعاون القضائي والأمني ، بما يسمح بربط البلاغات والحوادث المتشابهة التي ظهرت عبر أكثر من ولاية قضائية والتعامل معها باعتبارها أجزاءً من نمط مترابط، وليس مجرد حوادث منفصلة ومعزولة.
وتدعو المؤسسة الدول إلى تطوير آليات متخصصة لرصد وتوثيق والتحقيق في القمع العابر للحدود، بما يشمل إنشاء نقاط اتصال وطنية واضحة لتلقي البلاغات والإحالات، وتطوير قواعد وإجراءات تسمح بتجميع وتحليل المعلومات الواردة من جهات إنفاذ القانون والمجتمعات المستهدفة ومنظمات المجتمع المدني، بما يساهم في الكشف المبكر عن الأنماط المتكررة والتهديدات الناشئة و الشبكات العابرة للحدود.
كما تحث المؤسسة السلطات المعنية على ضمان الحماية الفعالة للضحايا والشهود والأشخاص الذين تقدموا ببلاغات أو إفادات في هذا السياق، بما يشمل توفير قنوات إبلاغ آمنة وسهلة الوصول، ودعم قانوني ونفسي مناسب، واتخاذ التدابير الوقائية اللازمة عند وجود مخاطر معروفة أو متوقعة مرتبطة بالقمع العابر للحدود، مع اعتماد مقاربة متمحورة حول الضحايا تراعي النوع الاجتماعي والاحتياجات الخاصة للفئات المستهدفة.
وتدعو المؤسسة إلى إدراج القمع الرقمي العابر للحدود ضمن أولويات السياسات العامة وجهود إنفاذ القانون، بما يشمل التحقيق في حملات التشهير الرقمي، والتهديدات عبر الإنترنت، وكشف البيانات الشخصية، والمراقبة الرقمية، والاستخدام المسيء للذكاء الاصطناعي والمحتوى المصطنع لاستهداف النشطاء والمعارضين في المنفى.
كما تدعو السلطات المختصة إلى النظر في الأدوار والوظائف التي تؤديها الشبكات والوكلاء الغير الحكوميين في سياق القمع العابر للحدود، وعدم قصر التقييم على العلاقة المؤسسية المباشرة بالدولة، وذلك اتساقاً مع المقاربة التي تبنتها الأمم المتحدة في بيانها المشترك بشأن القمع العابر للحدود.
كما تدعو المؤسسة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى الاستفادة من الآليات الأوروبية القائمة، بما في ذلك Europol وغيرها من أطر التعاون الشرطي والقضائي الأوروبية، لتعزيز تبادل المعلومات وتحليل الأنماط العابرة للحدود وربط الوقائع والبلاغات المتشابهة التي تظهر في أكثر من دولة أوروبية، بما يسمح بالكشف المبكر عن شبكات القمع العابر للحدود والتصدي لها بصورة أكثر فعالية.
كما تدعو الدول الأوروبية إلى الاستثمار في بناء قدرات أجهزة إنفاذ القانون والنيابة العامة والقضاء والأجهزة المختصة للهجرة واللجوء من أجل التعرف المبكر على أنماط القمع العابر للحدود والاستجابة لها والتعامل معها باعتبارها تهديداً لحقوق الإنسان و لسيادة القانون في آن واحد.
وتدعو المؤسسة السلطات المصرية إلى احترام التزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، والامتناع عن أي ممارسات تستهدف المعارضين أو الصحفيين أو المدافعين عن حقوق الإنسان خارج حدودها، وضمان عدم استخدام أفراد أو شبكات أو كيانات غير حكومية في أعمال الترهيب أو المراقبة أو الاستهداف المرتبطة بممارسة الحقوق والحريات الأساسية.
