تعرب مؤسسة دعم القانون والديمقراطية عن قلقها البالغ إزاء التصعيد الممنهج في سياسات التوقيف والاحتجاز التعسفي التي تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين في مصر، مؤكدة أن هذه الممارسات لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، بل باتت تعكس نمطًا أمنيًا يضرب بعرض الحائط التزامات مصر الدولية والدستورية. ويأتي هذا التصعيد في وقتٍ حرج استدعى تدخل أربع ولايات أممية رفيعة المستوى وجّهت مراسلة رسمية للحكومة المصرية مؤخراً، منتقدةً فيها الارتفاع المقلق في الاعتقالات التي طالت المسجلين لدى المفوضية؛ بما يؤشر إلى تآكل خطير في منظومة الحماية الإنسانية المتاحة للاجئين.
وترصد المؤسسة بقلق بالغ نمطًا من الاحتجاز التعسفي الذي يستهدف لاجئين وطالبي لجوء مسجلين لدى المفوضية، حيث يتم توقيفهم بسبب عدم حملهم أوراقهم التعريفية في لحظة الضبط، رغم امتلاكهم وثائق حماية سارية. وفي العديد من الحالات الموثقة، تمتنع السلطات عن الإفراج عن المحتجزين حتى بعد تقديم ذويهم أو ممثليهم القانونيين هذه الوثائق، ويتم نقلهم لاحقًا إلى مرافق احتجاز مغلقة، في خطوة تسبق عادة محاولات نقلهم إلى نقاط حدودية تمهيدًا لترحيلهم قسرًا، في مخالفة صريحة لمبدأ عدم الإعادة القسرية وللقوانين الوطنية المنظمة للجوء.
كما رصدت المؤسسة لجوء السلطات إلى أساليب تضليل قانونية تهدف إلى الالتفاف على الحظر المفروض على الإعادة القسرية، حيث يُخيَّر اللاجئون بين الاحتجاز المطوّل في ظروف غير إنسانية أو التوقيع على ما يسمى “العودة الطوعية”. وقد وثّقت المؤسسة حالات جرى فيها تحصيل مبالغ مالية من الأسر تحت مسمى “رسوم ترحيل” دون أي سند قانوني أو إيصالات رسمية، مما يؤكد أن هذه “الموافقات” تُنتزع تحت الإكراه المادي والمعنوي، وتفقد بالتالي أي صفة طوعية حقيقية.
وتلفت المؤسسة الانتباه إلى الآثار الإنسانية العميقة لهذه الممارسات، حيث يؤدي الاحتجاز التعسفي والتهديد الدائم بالترحيل إلى تفكيك الأسر ودفع أفراد من الفئات الأكثر هشاشة إلى خيارات خطرة أو غير إنسانية. وتؤكد المؤسسة أن استمرار احتجاز لاجئين مسجلين لدى المفوضية دون إتاحة التواصل مع أسرهم أو ممثليهم القانونيين يمثل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدنيا للمعاملة الإنسانية.
ولا يمكن فصل هذه الانتهاكات عن السياق الأوسع الذي رصدته المؤسسة مؤخراً، حيث تحول “الاحتجاز في سياق الهجرة” من إجراء استثنائي إلى أداة ضغط وإكراه أدت إلى وفيات مأساوية داخل أماكن الاحتجاز.ولا يمكن فصل هذه الواقعة عن السياق المأساوي الذي رصدته المؤسسة مؤخراً، حيث تحول “الاحتجاز في سياق الهجرة” من إجراء استثنائي إلى أداة للضغط والإكراه البدني والنفسي، وهو ما أفضى إلى وفيات مأساوية داخل أماكن الاحتجاز للاجئين يحملون وثائق حماية سارية.
ومن ابرز الامثلة على ذلك واقعة وفاة ملتمس اللجوء السوداني “النذير الصادق”، الطالب بالصف الثالث الثانوي، الذي توفي داخل محبسه بقسم شرطة بدر بالقاهرة بتاريخ 11 فبراير 2026، بعد 25 يوماً من احتجازه. ورغم امتلاكه أوراق إقامة سارية المفعول وقت القبض عليه من أمام منزله في 18 يناير 2026، إلا أنه أُخضع لظروف احتجاز “غير إنسانية”؛ حيث أفادت أسرته بتلقيها معلومات تؤكد تعرضه لمعاملة قاسية واحتجازه في طقس بارد دون ملابس كافية أو أغطية أو فراش مناسب، مما أدى لوفاته داخل محبسه. كما علمت المؤسسة أن أسرة “النذير” اضطرت إلى مغادرة مصر عائدة إلى السودان، رغم المخاطر الأمنية الجسيمة التي تنتظرهم هناك.
إن هذه الوقائع المروعة تجسد المآلات الكارثية لهذا النهج الأمني. كما رصدت المؤسسة وفاة ملتمس اللجوء السوداني “مبارك قمر الدين مجزوب” (67 عاماً)، الذي توفي داخل قسم شرطة الشروق بمحافظة القاهرة، فجر الخميس 5 فبراير 2026 رغم تمتعه بوثيقة حماية صادرة عن مفوضية اللاجئين وهي سارية المفعول حتى عام 2027.
وتؤكد المؤسسة أن هذه الوقائع المتكررة تكشف عن خطورة الاعتماد على الاحتجاز الإداري غير الخاضع للرقابة القضائية كممارسة ممنهجة، تفتقر إلى آليات المساءلة الفعالة، وتتناقض مع التزامات مصر بموجب اتفاقية عام 1951 وبروتوكول 1967 والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فضلًا عن الدستور المصري الذي يمنح الاتفاقيات الدولية قوة القانون ويحظر التمييز ويكفل الحق في الكرامة والأمان الشخصي.
وتدعو مؤسسة دعم القانون والديمقراطية إلى:
- ضمان رقابة قضائية فعالة على جميع قرارات الاحتجاز والترحيل.
- الوقف الفوري لأي عمليات ترحيل أو نقل قسري للاجئين السودانيين
- احترام الوثائق الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وعدم احتجاز حامليها تعسفياً
- تمكين المحتجزين من التواصل مع محاميهم وذويهم دون قيود
- فتح تحقيقات مستقلة وشفافة في الوفيات الأخيرة داخل أماكن الاحتجاز
- وقف الممارسات التي تجبر اللاجئين على التوقيع على «عودة طوعية» تحت الإكراه
