أكتوبر 21, 2026
114

تعلن المنظمات والمنصات الصحفية الموقعة أدناه، العاملة في دعم وحماية حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، تضامنها الكامل مع صحفيي منصة “متصدقش” الستة، الذين احتجزتهم السلطات المصرية قرابة أسبوع في أماكن غير معلنة، ثم عرضتهم على نيابة أمن الدولة العليا وكشفوا عن تعرضهم للتعذيب. وتطالب المنظمات بالإفراج الفوري عنهم، بتحقيق مستقل في ما أفادوا به من تعرضهم للتعذيب.

ما نعرفه حتى الآن عن فريق “متصدقش”

بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قُبض على فريق تحرير المنصة بالكامل بين 28 و30 سبتمبر/أيلول 2026. البداية كانت برئيس التحرير محمد أشرف أبو عميرة، ثم عبد الله قدري وإسلام بركات وعمر هلال ومحمد محمود ومحمد عادل. وطَوال هذه الأيام لم يُسمح لهم بالتواصل مع محامين أو ذويهم، ولم تُعرض عليهم أي محاضر رسمية للقبض.

وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا وصفت فيه المنصة بأنها صفحة غير مرخصة تُدار من الخارج وتنشر معلومات كاذبة، وربطتها بـ”اللجان الإعلامية” لجماعة الإخوان المسلمين من دون أن تقدم أي دليل. ومساء السبت 3 أكتوبر، بدأت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق مع محمد أشرف أبو عميرة. استمر التحقيق حتى صباح الأحد 4 أكتوبر، وانتهى بقرار حبسه 15 يومًا على ذمة التحقيقات. وفي 5 أكتوبر، ظهر زملاؤه الخمسة أمام النيابة نفسها في القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، واستمر التحقيق معهم أكثر من عشر ساعات. وبحسب عضو مجلس نقابة الصحفيين إيمان عوف، تشمل الاتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويلها، واستخدام موقع إلكتروني للترويج لأفكارها.

وبحسب محامي الدفاع، أفاد الصحفيون أمام النيابة بأنهم احتُجزوا في مقار الأمن الوطني وهم معصوبو الأعين ومقيدو الأيدي خلف ظهورهم. وقالوا إنهم تعرضوا للضرب والتجريد من الملابس والصعق الكهربائي، وهدِدوا بإيذائهم وإيذاء أسرهم، وأُجبروا على قراءة “اعترافات” مكتوبة سلفًا أمام الكاميرا. وطلب الدفاع التحقيق في هذه الوقائع، وعرْضَ الصحفيين على الطب الشرعي، وإهدار أي أقوال انتُزعت منهم، واستدعاء ضباط الأمن الوطني المسؤولين للتحقيق.

لماذا يعني عمل “متصدقش” مجتمعات اللاجئين؟

“متصدقش” منصة صحفية مصرية مستقلة، تعمل منذ عام 2018. تتحقق المنصة من التصريحات والأرقام التي يطلقها المسؤولون الإعلاميون وتنتشر على مواقع التواصل، وتراجعها في مقابل البيانات الرسمية والمصادر الموثوقة. ثم تنشر النتيجة مع الأدلة التي تسمح للقارئ بأن يحكم بنفسه على مدى دقة ما قيل.

ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة في ما يتعلق باللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين في مصر. فمنذ سنوات، تنتشر أرقام غير دقيقة ومبالغ فيها حول أعداد اللاجئين والمقيمين الأجانب، إلى جانب روايات تزعم أن اللاجئين يمثلون عبئًا على الخدمات العامة، أو سببًا في الأزمات الاقتصادية، أو تهديدًا أمنيًّا واجتماعيًّا. ومع تكرار هذه الروايات في تصريحات رسمية وبرامج إعلامية وصفحات مؤثرة على الإنترنت، تتحول إلى مناخ من الوصم والتحريض والكراهية.

وقد واجهت “متصدقش” هذا الخطاب بالتحقق المستند إلى الأدلة والتقارير، أيًّا كان مصدره. راجعت المنصة، على سبيل المثال، تصريح رئيس الوزراء مصطفى مدبولي عن استضافة مصر أكثر من 9 ملايين لاجئ، وتصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي، إذ طرحت السؤال الجوهري: هل هؤلاء “لاجئون” أم “مهاجرون”؟ كما راجعت تصريح وزير الخارجية السابق سامح شكري عن عدد السودانيين في مصر. ويظل السؤال الذي طرحته المنصة مهمًا: هل تتعلق هذه الأرقام بلاجئين معترف بهم، أم بطالبي لجوء، أم بمهاجرين، أم بمقيمين أجانب، أم بمزيج من هذه الفئات؟ فالتمييز بين اللاجئ والمهاجر وطالب اللجوء ليس تفصيلًا لُغويًّا أو إداريًّا؛ بل هو مسألة لها أثر مباشر في حقوق الأفراد، وفهم أوضاعهم القانونية، وعلى الخطاب العام والسياسات التي تمس حياتهم.

إن تقديم ملايين المقيمين والعاملين والمستثمرين في مصر بوصفهم “لاجئين” يعيشون على موارد الدولة يخلق تصورًا مضللًا لدى الرأي العام. وفي النهاية، يدفع اللاجئون وطالبو اللجوء ثمن ذلك عبر الوصم الجماعي، وتقييد فرص السكن والعمل والتعليم والرعاية الصحية، والخوف من الملاحقة أو الاحتجاز أو الترحيل.

وواجهت منصة “متصدقش” كذلك الأرقام والادعاءات المتداولة في الإعلام وعلى مواقع التواصل. فقد فحصت الادعاء بوصول عدد العرب المقيمين في مصر إلى 16.5 مليون شخص، ومن الأنباء المتداولة عن “مظاهرات للسوريين” في مدينة 6 أكتوبر. وهذه من نوع الشائعات التي تُستخدم لتصوير اللاجئين خطرًا أمنيًّا أو اجتماعيًّا.

وتصدت المنصة أيضًا لواحدة من أكثر الشائعات انتشارًا، وهي أن اللاجئين والمهاجرين يحصلون على الخدمات “مجانًا” على حساب المواطنين. ففي تحقيق بعنوان لا شيء بالمجان رسوم بالدولار وتشجيع من السيسي.. كم يدفع المهاجرون للدراسة في مصر؟ عرضت “متصدقش” ما يدفعه المهاجرون فعليًّا مقابل التعليم في مصر.

ولم يقتصر عمل “متصدقش” على تصحيح الأرقام. فقد وثّقت الأثر الإنساني للسياسات المبنية على هذا الخطاب، ونشرت شهادات سودانيين رُحّلوا قسرًا من مصر بعد أن لجأوا إليها هربًا من الحرب.

عندما يتحول التضليل إلى انتهاك

نحن، المنظمات والمنصات العاملة مع اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين، نعاين يوميًّا ونوثق كيف لا يقف التضليل عند حدود الخطاب أو التداول الإعلامي، بل يتحول إلى ضرر مباشر يمس حياة الأفراد وحقوقهم وكرامتهم. فالمعلومة غير الدقيقة، حين تصدر عن منبر مؤثر أو تتكرر بلا مساءلة، قد تتحول إلى رواية عامة؛ والرواية العامة، حين تُبنى على الوصم والخوف، قد تتحول إلى ممارسات تمييزية وسياسات إقصائية وانتهاكات فعلية.

إن تصوير اللاجئين والمهاجرين باعتبارهم عبئًا على المجتمع أو منافسين على الحقوق والخدمات أو مصدرًا لتهديد أمني واجتماعي، لا يكتفي بتشويه واقعهم القانوني والإنساني. بل يهيئ بيئة تسمح بخطاب الكراهية والتحريض في الشارع والمنصات الرقمية، وتزيد من تعرضهم للاستغلال في السكن والعمل، وتبرر حرمانهم أو تقييد وصولهم إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية، وتعمق خوفهم من الحملات الأمنية والاحتجاز والترحيل.

وفي مثل هذا المناخ، تصبح الصحافة المستقلة إحدى ضمانات الحماية العامة. فهي لا تؤدي وظيفة إعلامية فحسب، بل تسهم في صون الحق في المعرفة، وتحد من انتشار الروايات التي تسلب الفئات الأكثر هشاشة إنسانيتها وحقوقها. إن مراجعة الأرقام، وتفكيك الشائعات، وتدقيق التصريحات الرسمية والإعلامية، ووضعها في سياقها القانوني والواقعي، كلها أعمال ضرورية لإعادة النقاش العام إلى الوقائع، بدلًا من تركه رهينة للخوف والتعميم والتحريض.

ومن هنا، فإن استهداف منصة “متصدقش” لا يمس صحفييها وحدهم، ولا ينبغي النظر إليه بوصفه واقعة منفصلة تخص مؤسسة إعلامية بعينها. إنه يمس حق اللاجئين والمهاجرين المصريين وغير المصريين من المقيمين أو العابرين من مصر في ألا يُختزَلوا في أرقام مضللة أو سرديات تحريضية، ويمس حق المجتمع في الوصول إلى معلومات دقيقة، ويمس قدرة الصحفيين والباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان على العمل دون خوف من العقاب أو الوصم أو الملاحقة.

كما يحمل استهداف العاملين في “متصدقش” رسالة مقلقة إلى كل من يوثق أو يحقق أو يسائل الخطاب العام المتعلق باللاجئين والمهاجرين: مفادها أن الاقتراب من هذا الملف، أو تصحيح المعلومات المتداولة بشأنه، قد يترتب عليه ثمن باهظ. ويؤدي هذا المناخ إلى الرقابة الذاتية والصمت، ويفتح المجال أمام فراغ معلوماتي تستفيد منه الشائعات وخطابات الكراهية والقوى التي تتغذى على تحويل اللاجئين والمهاجرين إلى كبش فداء للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إن القبض على فريق تحرير كامل بسبب عمله في التحقيقات الاستقصائية يمثل تهديدًا بالغ الخطورة لحرية الصحافة، وللحق في حرية التعبير وتداول المعلومات، وللمساءلة العامة. وتزداد خطورة الأمر حين يُلاحق صحفيون يعملون على كشف الأخبار الكاذبة والتضليل باتهامات يُفترض أن عملهم يسعى إلى تفكيكها. فلا يجوز أن تتحول أدوات مكافحة التضليل إلى وسيلة لإسكات من يكشفونه، أو أن تُستخدم اتهامات الإرهاب و”نشر الأخبار الكاذبة” لتجريم الممارسة الصحفية المستقلة.

احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي وشهادات تعذيب

إن احتجاز الصحفيين الستة قرابة أسبوع في أماكن غير معلنة، من دون إخطار ذويهم أو تمكينهم من التواصل الفوري والسرّي مع محامين، يثير بواعث قلق جسيمة بشأن سلامتهم وضمانات حريتهم الشخصية وحقهم في الدفاع. وإن هذا الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي يرقى إلى اختفاء قسري، ويتعارض مع الضمانات التي يكرسها الدستور المصري والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

كما أن ما أفاد به الصحفيون أمام النيابة من تعرضهم للضرب، والصعق الكهربائي، والتجريد من الملابس، والتهديد بإيذائهم وإيذاء أسرهم، وإجبارهم على تسجيل أو قراءة “اعترافات” معدة سلفًا، يقتضي تحقيقًا عاجلًا، مستقلًا، نزيهًا وفعَّالًا. ولا يجوز التعامل مع هذه الإفادات بوصفها ادعاءات هامشية أو مسائل إجرائية، بل باعتبارها مؤشرات خطيرة على انتهاكات للحق في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية والمحاكمة العادلة.

وتنص المادة 52 من الدستور المصري على أن التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم. كما أن أي أقوال أو اعترافات تُنتزع تحت وطأة التعذيب أو الإكراه أو في أثناء احتجاز غير قانوني لا يمكن أن تشكل أساسًا مشروعًا لإجراءات قضائية عادلة، ولا يجوز الاستناد إليها لتبرير استمرار الاحتجاز أو الإدانة.

وعليه، تقتضي مقتضيات العدالة وسيادة القانون عرض الصحفيين فورًا على الطب الشرعي، وتأمين رعاية طبية ونفسية مستقلة لهم عند الحاجة، وفتح تحقيق جاد في جميع الوقائع التي أبلغوا عنها، وضمان عدم تعرضهم لأي ضغط أو تهديد أو انتقام بسبب إبلاغهم عن الانتهاكات.

تطالب المنظمات والمنصات الموقعة السلطات المصرية بما يلي:

  • الإفراج الفوري وغير المشروط عن صحفيي منصة “متصدقش” الستة، وإسقاط جميع التهم الموجهة إليهم على خلفية عملهم الصحفي ذو المصلحة العامة.
  • ضمان تمكين الصحفيين فورًا ومن دون قيود من التواصل السرّي والمنتظم مع محاميهم وأسرهم، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة.
  • فتح تحقيق عاجل ومستقل وشفاف وفعّال في إفاداتهم الخاصة بالتعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز في أماكن غير معلنة، وعرض الصحفيين على الطب الشرعي من دون تأخير، ومحاسبة جميع المسؤولين الذين تثبت مسؤوليتهم عن أي انتهاكات.
  • استبعاد أي أقوال أو “اعترافات” يُشتبه في انتزاعها تحت التعذيب أو الإكراه أو خلال احتجاز غير قانوني، وضمان عدم تداولها أو بثها أو استخدامها في أي إجراءات قضائية.
  • وقف استخدام اتهامات الإرهاب أو “نشر الأخبار الكاذبة” أو إدارة المواقع والمنصات الإلكترونية باعتبارها أدوات لملاحقة الصحفيين والباحثين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
  • التزام المؤسسات الرسمية والإعلامية بالدقة والشفافية عند تناول قضايا اللجوء والهجرة، والامتناع عن تداول أرقام مضللة أو غير موثقة، ونشر بيانات واضحة تفرق بين اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين وغيرهم من المقيمين الأجانب.
  • اتخاذ تدابير ملموسة وفعالة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض والتمييز ضد اللاجئين والمهاجرين، بما يشمل مواجهة المعلومات المضللة التي تكرس الوصم الجماعي، بدلًا من ملاحقة المنصات والصحفيين الذين يكشفونها بالأدلة.
  • احترام وحماية حرية الصحافة والتعبير والحق في المعرفة، وضمان توافق جميع الإجراءات المتخذة مع الدستور المصري والتزامات مصر الدولية في مجال حقوق الإنسان.

الصحافة الاستقصائية ليست جريمة.
الصحافة ليست إرهابًا.
واللاجئون والمهاجرون ليسوا كبش فداء للأزمات الاقتصادية أو السياسية.

المنظمات الموقعة:- 

١. منصة اللاجئين في مصر

٢. مرصد الهجرة واللجوء 

٣. حملة ضد تجريم العمل المدني تونس

٤. مركز بنغازي لدراسات الهجرة 

٥. فيمينا 

٦. ميديتار

٧. منصة الهجرة وحقوق الانسان

٨. سفينة «لويز ميشيل» للبحث والإنقاذ

١٠. الأورو-متوسطية للحقوق. 

١١. Human Rights Concern – Eritrea (HRCE)

١٢. مالدوسا

١٣. مؤسسة دعم القانون والديمقراطية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *