مايو 24, 2026
3

تعرب مؤسسة دعم القانون والديمقراطية عن إدانتها للقرار الصادر عن نيابة الشؤون الاقتصادية وغسيل الأموال في مصر في 19 مايو/أيار 2026، بحجب عدد من الحسابات والقنوات الشخصية المعارضة على منصات التواصل الاجتماعي، ومنع الوصول إليها داخل مصر، على خلفية اتهامات فضفاضة تتعلق بـ”نشر محتوى مسيء، وبث خطاب كراهية”. 

ويأتي هذا القرار، الصادر في القضية رقم 1038 لسنة 2026، في سياق نهج متصاعد من القيود الرقمية التي تفرضها السلطات المصرية، والذي يهدف إلى تقويض حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، ويمتد تأثيره إلى ما هو أبعد من الحدود الوطنية، حيث شمل القرار ١١ حساباً لعدد من الصحفيين والإعلاميين والنشطاء العاملين من خارج البلاد، من بينهم  الإعلامي أسامة جاويش والفنان عمرو واكد والإعلامي والمعارض السياسي هيثم أبوخليل والمعارض السياسي شريف عثمان وآخرين. 

ويأتي هذا القرار في ظل تصاعد ملحوظ لممارسات القمع العابر للحدود التي ترتكبها السلطات المصرية، حيث تسعى الدولة إلى إسكات ومعاقبة والسيطرة على أصوات معارضة ومستقلة تعمل من خارج أراضيها. كما يأتي هذا القرار في سياق تاريخ طويل من الرقابة الرقمية الممنهجة داخل مصر، حيث تنتهج السلطات منذ قدوم الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة سياسةً واسعة النطاق لحجب المواقع الإلكترونية، استهدفت بشكل خاص وسائل الإعلام المستقلة والمنظمات الحقوقية والمنصات السياسية.

وقد بلغت هذه السياسة ذروتها مع بدء موجات الحجب الواسعة في 2017، حين تم حجب عشرات المواقع الإخبارية دون سند قانوني معلن، قبل أن تتوسع تدريجيًا لتشمل مئات المواقع عبر السنوات التالية. وتشير التقديرات إلى أن عدد المواقع المحجوبة تجاوز 600 موقع، بينها عشرات المنصات الصحفية المستقلة ومواقع منظمات حقوق الإنسان، فضلًا عن مواقع تُستخدم لتجاوز الحجب، ما يعكس توجهًا شاملًا للسيطرة على الفضاء المعلوماتي.

ويستند القرار إلى نصوص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (المادة 7)، التي تمنح السلطات صلاحيات واسعة لحجب المحتوى الإلكتروني متى اعتُبر “مهددًا للأمن القومي” أو “للاقتصاد الوطني”. إن هذه الصياغات مبهمة وغير محددة، وتفتقر إلى معايير الضرورة والتناسب، وتفتح الباب أمام تفسيرات تعسفية، وهو ما يجعل استخدامها أداة بيد السلطات لتقييد التعبير السلمي المشروع بدلًا من حماية النظام العام. كما أن غياب الشفافية بشأن حيثيات الحكم القضائي المشار إليه في القرار، يحرم الأفراد المستهدفين والجمهور من الرقابة القانونية والمساءلة الضرورية.

ويتّسق القرار المصري مع نمط إقليمي متصاعد يتجاوز حجب المواقع في صورته التقليدية، ليستهدف الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، حيث لجأت حكومتا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى إجراءات مماثلة لتقييد الوصول إلى محتوى حقوقي ومعارض عبر طلبات حكومية لتقييد الوصول إلى المحتوى داخل حدود الدولة (المعروف بالحجب الجغرافي). وتم تقييد وصول حسابات عدد من المنظمات الحقوقية المستقلة، من بينها منظمة القسط لحقوق الإنسان والديوان الديمقراطي، إلى جانب حسابات شخصيات أكاديمية وحقوقية مثل الباحث السعودي عبد الله العودة والمدافع عن حقوق الإنسان يحيى عسيري، على منصات ميتا وX داخل السعودية والإمارات، وذلك استجابة لطلبات حكومية. كما شملت هذه القيود حسابات أخرى مرتبطة بالمجتمع المدني والبحث الأكاديمي في المنطقة. ويؤكد تكرار هذه الممارسات في سياقات متعددة وجود نمط ممنهج من تدويل القمع الرقمي، يعتمد على تبريرات قانونية فضفاضة ويقوّض التزامات الشركات في مجال حقوق الإنسان.

وتعتمد هذه القرارات في جوهرها على امتثال منصات مثل (فيسبوك/إنستجرام)، وX (تويتر سابقًا)، ويوتيوب، وتيك توك، وتليجرام. وفي هذا السياق، تؤكد مؤسسة دعم القانون والديمقراطية أن استجابة هذه الشركات لمثل هذه الطلبات يجعلها أطرافًا مُمكِّنة لانتهاكات حقوق الإنسان، حيث يمكن أن تتحول إلى أدوات لتسهيل تنفيذ ممارسات القمع العابر للحدود عبر منصاتها.

كما أن الامتثال غير المشروط لطلبات الحكومات، في غياب تقييم جدي ومتسق مع المعايير الدولية، يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. ويعكس ذلك اتجاهًا متزايدًا نحو استخدام الشركات الخاصة كقنوات غير مباشرة لتنفيذ سياسات القمع، بما يتيح للدول توسيع نطاق سيطرتها خارج حدودها مع تقليل مستوى المساءلة.

وتحذر مؤسسة دعم القانون والديمقراطية الحكومة المصرية وحكومات الشرق الأوسط من التوسع في استخدام هذا النمط الجديد من الحجب، لتعزيز هيمنتها وفرض قبضتها الأمنية على مساحات التعبير عن الرأي، بما يُخلّ بالوفاء بالتزاماتها الدولية ويشكّل تهديدًا صارخًا لحرية الرأي والتعبير.

وتطالب المؤسسة الشركات بتغليب التزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان، وعدم تمكين السلطات القمعية من محاصرة الآراء عبر تنفيذ مطالبها، كما تطالب السلطات المصرية ونظيراتها في السعودية والإمارات بالتوقف عن سياسة حجب المواقع وملاحقة الآراء المنشورة على شبكة الإنترنت، ورفع الحجب المفروض على بعض المواقع والحسابات الشخصية، ووقف ممارسات القمع العابر للحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *