مايو 25, 2026
16

تدين مؤسسة دعم القانون والديمقراطية الحملة الأمنية المسعورة التي شهدتها مصر خلال الأيام القليلة الماضية، والتي استهدفت عددًا من النشطاء والمحامين والمدافعين عن حرية التعبير، في تصعيد جديد لسياسة خنق المجال العام، وفرض قبضة أمنية محكمة على مساحات التعبير، بهدف قمع وإسكات الأصوات المعارضة والمستقلة التي تتناول حالة حقوق الإنسان المتردية في البلاد.

واعتقلت أجهزة الأمن المصرية، في الساعات الأولى من صباح اليوم الإثنين ٢٥ مايو، وفي وقائع متفرقة، أعضاء لجنة الدفاع عن سجناء الرأي: المحامي محمد أبو الديار، والناشطة السياسية حنان الطنطاوي، والمحامية بالنقض وفاء المصري، من منازلهم، وذلك بعد أيام من تنظيم اللجنة معرض صور تحت عنوان “السجن مش مكانهم” للتضامن مع سجناء الرأي في مصر والمطالبة بإطلاق سراحهم، وعقب ساعات من إصدار اللجنة بيانًا يدين اعتقال الناشط السياسي نائل حسن، وحبسه احتياطيًا بتهم تتعلق بآرائه على شبكة الإنترنت.

واقتحمت قوة أمنية منزل المحامي محمد أبو الديار في الساعات الأولى من صباح اليوم واعتقلته، وذلك قبل ساعات قليلة من مداهمة قوة أمنية أخرى مقر إقامة المحامية بالنقض وفاء المصري أثناء وجودها مع أفراد أسرتها، بمن فيهم أطفال، حيث تم القبض عليها أمامهم، مع مصادرة هواتف الأسرة ومنعهم من التواصل لعدة ساعات. وعقب ذلك، قامت قوة أمنية أخرى باعتقال الناشطة السياسية الدكتورة حنان الطنطاوي، العضوة المؤسسة في لجنة الدفاع عن سجناء الرأي، من أمام منزلها بحدائق الأهرام بالجيزة. كما سبقت هذه الحملةَ الأمنية المسعورة إجراءاتٌ مماثلة استهدفت أهالي سجناء الرأي يوم ١٧ مايو ٢٠٢٦، حيث تعرض عدد من الأسر لحملات قبض وتهديد وتنكيل، بالتزامن مع ختام فعالية معرض “السجن مش مكانهم”.

ويُذكر أن نيابة أمن الدولة العليا قررت، أمس الأحد ٢٤ مايو، حبس الناشط السياسي نائل حسن احتياطيًا لمدة ١٥ يومًا على ذمة التحقيقات في القضية رقم ٤٣٧٣ لسنة ٢٠٢٦ حصر أمن دولة عليا، بعد أن وجهت له تهمًا بإذاعة أخبار كاذبة واستخدام موقع على شبكة معلوماتية -الإنترنت- للترويج لأفكار إرهابية، وذلك عقب ظهوره أمام النيابة بعد اختفائه قسريا لأيام منذ اعتقاله في ٢١ مايو ٢٠٢٦. وكان نائل قد تلقى استدعاءً هاتفيًا من جهاز الأمن الوطني بمحافظة الإسكندرية يوم ٢٠ مايو، وتوجه في اليوم التالي إلى مقر الجهاز بمنطقة أبيس، قبل أن ينقطع الاتصال به ويختفي قسريًا حتى ظهر لاحقًا أمام نيابة أمن الدولة العليا، التي تجاهلت كالعادة واقعة اختفائه وفتحت تحقيقاتها معه. ولا تعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها السلطات المصرية نائل حسن؛ إذ سبق القبض عليه في أغسطس ٢٠٢٥ ثم أُخلي سبيله في اليوم نفسه، كما أُلقي القبض عليه في ٢١ أبريل ٢٠١٧ على خلفية احتجاجات اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، وظل محبوسًا حتى الإفراج عنه في أبريل ٢٠١٨.

وسبق أن تعرّض محمد أبو الديار للحبس على خلفية دوره كمدير للحملة الانتخابية للسياسي أحمد الطنطاوي خلال انتخابات الرئاسة 2023، حيث أيدت محكمة جنح مستأنف المطرية الحكم بحبسه لمدة عام مع الشغل والنفاذ، إلى جانب حرمان الطنطاوي من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات. وكانت مؤسسة دعم القانون والديمقراطية قد وثّقت خلال تلك الفترة انتهاكات ممنهجة شملت الترويع أمام مكاتب الشهر العقاري، ومنع تحرير التوكيلات، والقبض على أعضاء الحملة ومؤيديها، فضلًا عن انتهاكات لضمانات المحاكمة العادلة، بما يعكس استخدام المسار الجنائي كأداة لتقويض الحق في المشاركة السياسية.

أن السلطات المصرية ما زالت متشبثة باستخدام الحلول الأمنية لقمع الأصوات الناقدة وإغلاق المجال العام، في محاولة لفرض تعتيم كامل على فشلها في ملفات حقوق الإنسان والأوضاع السياسية والاقتصادية المتدهورة. وبدلًا من الاستجابة لنداءات المجتمع المدني والبحث عن حلول سياسية جادة، ووقف الاستهداف الممنهج للمعارضين وأصحاب الرأي، وإطلاق سراح سجناء الرأي والضمير، فإنها تمضي قدمًا في تعميق الأزمة عبر استخدام الأدوات الأمنية، وملاحقة أصحاب الرأي والمدافعين عنهم، في دلالة على استراتيجية متعمدة لإخضاع المجال العام بالكامل عبر نشر الخوف والترهيب، وهو ما يقوض أي إمكانية لعمل مدني مستقل أو مشاركة سياسية حقيقية، ويكرّس حقيقة باتت جلية مفادها أن القمع لم يعد استثناءً، بل تحول إلى سياسة حاكمة.

وتأتي هذه الهجمة الأمنية بعد هجمات مشابهة شهدتها مصر في الفترة الأخيرة، شملت المخرج وكاتب السيناريو عمر صلاح مرعي، الذي أُلقي القبض عليه في 11 مايو، وقررت نيابة أمن الدولة اليوم تجديد حبسه احتياطيًا لمدة 15 يومًا، والشاعر أحمد دومة، الذي ينتظر صدور حكم في محاكمته بتهم نشر أخبار كاذبة في 3 يونيو 2026، ورسّام الكاريكاتير أشرف عمر، الذي يمثل لجلسة جديدة أمام دائرة الإرهاب في 13 يوليو 2026 بتهم ملفقة تتعلق بتمويل الإرهاب، وكذلك الشاعر جلال البحيري، الذي حُدِّدت جلسة محاكمته في 10 يونيو، والمخرج عبد الرحمن الأنصاري، الذي أُعيد اعتقاله بعد أن سبق وظل رهن الحبس على خلفية اتهامات مشابهة لأكثر من سبع سنوات، بينما أُعيد القبض على مشجع كرة القدم البارز  سيد مشاغب بعد ساعات من الإفراج عنه عقب أكثر من 11 عامًا قضاها في السجن، إضافة إلى 19 صحفيًا يقبعون خلف القضبان.

وتجدد مؤسسة دعم القانون والديمقراطية مطالبتها للسلطات المصرية، التي لا تزال ترفض الاستماع لنداءات المجتمع المدني والوفاء بالتزاماتها الدولية، بضرورة وقف هذا الاستهداف الممنهج لحرية التعبير، وإطلاق سراح كافة سجناء الرأي والضمير، وإسقاط الاتهامات الملفقة الموجهة إليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *