أكتوبر 27, 2026
22

تدين مؤسسة دعم القانون والديمقراطية الحكم الصادر اليوم عن الدائرة التاسعة بمحكمة جنح القاهرة الجديدة، والذي قضى بتغريم الصحفية لينا عطاالله، رئيسة تحرير موقع “مدى مصر”، ثلاثة ملايين جنيه، والتحفظ عليها لحين سداد الغرامة، وإغلاق الموقع ومصادرة معداته، واحتجاز عطاالله على يد قوات الأمن لحين سداد الغرامة المالية.

ويأتي هذا الحكم في ظل حملة قمعية جديدة تشنها السلطات المصرية ضد الصحافة المستقلة، إذ جاء استدعاء لينا عطاالله والتحقيق معها، ثم إحالتها إلى المحاكمة والحكم عليها، خلال أقل من أسبوعين. كما يأتي ذلك بعد أسابيع قليلة من استهداف جميع صحفيي منصة “متصدقش” العاملين داخل مصر، وإحالتهم إلى نيابة أمن الدولة العليا بتهم ملفقة، وحبسهم احتياطيًا على ذمة التحقيقات.

في أولى جلسات المحاكمة، وفي ظل محاكمة غير عادلة شهدت إجراءات تعسفية، رفضت المحكمة جميع طلبات الدفاع، بما في ذلك الطلبات المتعلقة بالاطلاع على مستندات الدعوى وتمكين فريق الدفاع من فحصها وإعداد دفاعه على نحوٍ كافٍ. إلا أن المحكمة أصرت على منح الدفاع وقتًا وجيزًا للاطلاع والترافع في الجلسة نفسها، وهو ما حرم هيئة الدفاع من الوقت والفرصة اللازمين لمناقشة الأدلة والرد عليها بصورة مناسبة.

وتزامنًا مع الجلسة، مُنع عدد من الصحفيين من دخول مقر المحكمة، من بينهم إيمان عوف، رئيسة لجنة الحريات وعضو مجلس نقابة الصحفيين. وصدر الحكم بحق لينا عطاالله وموقع “مدى مصر” بعدما رفض القاضي طلبات الدفاع بتأجيل نظر القضية لحين الاطلاع على جميع مستنداتها، بدعوى أنها “قضية ترخيص بسيطة” لا تستدعي التأجيل. وفي ظل تمسك فريق الدفاع بحقه في الاطلاع على هذه المستندات وفحصها والحصول على وقت كافٍ لإعداد مرافعته، باعتبار ذلك ضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة وحق المتهمين في إعداد دفاع فعّال، اتخذت المحكمة، بدلًا من الاستجابة لهذه الطلبات، قرارًا استثنائيًا بانتداب محامٍ من خارج فريق الدفاع، غير معلوم لرئيسة تحرير “مدى مصر” أو لفريق دفاعها، وذلك رغم اعتراضهم. كما شرع رئيس المحكمة في إثبات طلبات على لسان المحامي المنتدب لم ينطق بها، وذلك قبل تلاوة قرار الإدانة، وسط استهجان هيئة الدفاع، الذي رفض رئيس المحكمة إثباته في المحضر. وأُخرجت لينا من القاعة إلى مكان غير معلوم، في إجراءات مريبة تثير شكوكًا جدية بشأن نزاهة المحاكمة، وتعزز الانطباع بأن القرار كان مُعدًا سلفًا.

وهذه هي القضية السادسة ضد موقع “مدى مصر” وصحفييه ورئيسة تحريره خلال السنوات الست الأخيرة. وكانت آخر القضايا السابقة في أغسطس 2025، حين خضعت لينا عطاالله للتحقيق وواجهت اتهامات بنشر أخبار كاذبة وإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، على خلفية تقرير تناول شكاوى سجناء من انتهاكات داخل أماكن الاحتجاز، قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيلها على ذمة التحقيقات بكفالة مالية قدرها 30 ألف جنيه.

وعُقدت أولى جلسات محاكمة لينا عطاالله بعد أيام من استدعائها للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 9072 لسنة 2026. وخلال التحقيق، وُجهت إليها اتهامات بإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص و”نشر أخبار كاذبة بهدف تكدير السلم العام”، قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيلها بكفالة مالية، ثم إحالتها إلى المحاكمة.

وسبق أن تقدّم موقع “مدى مصر” بطلبات متكررة للحصول على ترخيص منذ عام 2018، إلا أنه لم يتلقَّ ردًا رسميًا نهائيًا بشأن تلك الطلبات. وقد فوجئ الموقع، خلال إحدى الاستدعاءات الأمنية المتكررة لمديرة التحرير، بأن المجلس رفض الطلب دون إخطار مُسبب. وعلى إثر ذلك، لجأ الموقع إلى القضاء الإداري الذي أيد قرار المجلس في مايو 2023 ورفض الترخيص. وفي المقابل، لا يزال أحد طلبات الترخيص المقدمة منذ عام 2023 قيد الانتظار دون رد، وهو ما يوضح استخدام السلطات المصرية لنظام التراخيص كأداة لتقييد الصحافة المستقلة وفرض رقابة مسبقة على النشر وحرية تداول المعلومات، فضلًا عن منح السلطة التنفيذية صلاحية منح أو منع التراخيص دون ضوابط أو معايير واضحة.

وتطالب مؤسسة دعم القانون والديمقراطية السلطات المصرية بوقف هجماتها المستمرة على حرية الصحافة والحق في تداول المعلومات، وإلغاء هذا الحكم الجائر الصادر بحق الصحفية لينا عطاالله وإزالة جميع آثاره القانونية، وكذلك وقف تنفيذ قرار إغلاق موقع “مدى مصر” ومصادرة معداته، وضمان حق الموقع في استكمال إجراءات الترخيص. كما تطالب بوقف استخدام الإجراءات الجنائية لمعالجة المسائل المتعلقة بتراخيص الوسائل الإعلامية، والتوقف عن تجريم عمل الصحفيين المستقلين.

كما تطالب المؤسسة السلطات المصرية بإلغاء نظام التراخيص المفروض على المواقع الصحفية في مصر، واستبداله بنظام الإخطار، الذي يكفي لتحديد المسؤولية القانونية، ويمكّن السلطات من تنظيم المسؤوليات المترتبة على تشغيل المواقع الإلكترونية، وفاءً بالتزاماتها الدستورية والدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *