أغسطس 24, 2026
4
صابر الشاذلي

تدين مؤسسة دعم القانون والديمقراطية استمرار السلطات المصرية في استهداف أفراد عائلة المعارضة المصرية البريطانية منى الشاذلي، المقيمة في المملكة المتحدة منذ أكثر من عقدين، على خلفية آرائها المنشورة على منصات التواصل الإجتماعي، في حملة أمنية خطيرة تمثل نموذجاً صارخاً للعقاب بالوكالة والقمع العابر للحدود الذي تمارسه السلطات المصرية بصورة منهجية لإسكات الأصوات المعارضة أو الناقدة في الخارج. ففي غضون ثلاثة أشهر فقط، بين مايو وأغسطس 2026، تحول خمسة من أفراد عائلة منى الشاذلي إلى ضحايا للاعتقال أو الاختفاء القسري؛ إذ تحتجز السلطات المصرية شقيقيها حسن وعيد الشاذلي وشقيقتيها إيمان وشيماء الشاذلي رهن الحبس الاحتياطي على ذمة تحقيقات تجريها نيابة أمن الدولة.

بينما لا يزال ابن عمها صابر محمد عيد حسن الشاذلي مختفياً قسرياً منذ 19 مايو 2026. وتتعارض هذه  الممارسات مع أحكام الدستور المصري والتزامات مصر الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولاسيما المادتين ٩ و١٩ المتعلقتين بالحرية والأمان الشخصي وحرية الرأي والتعبير. 

حسن الشاذلي

بدأت هذه الحملة بإعادة القبض على الشقيقين حسن صابر الشاذلي وعيد صابر الشاذلي فجر 19 مايو 2026، عقب مداهمة منزل الأسرة بالإسكندرية باستخدام قوة مفرطة، تخللتها اعتداءات على والدتهما المسنة وحارس العقار. كما تعرض الشقيقان للإخفاء القسري لمدة خمسة أيام قبل ظهورهما أمام نيابة أمن الدولة العليا متهمين بالإرهاب على ذمة القضية رقم 4489 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، ولا يزالان رهن الحبس الاحتياطي الذي يجري تجديده بصورة دورية حتى الآن. وفي الوقت نفسه، لا يزال ابن عمهما، صابر محمد عيد حسن الشاذلي، مختفياً قسرياً بمعزل عن العالم الخارجي منذ القبض عليه في 19 مايو 2026 خلال العملية الأمنية نفسها، دون أن تكشف السلطات المصرية حتى الآن عن مصيره أو مكان احتجازه، أو تمكّن أسرته ومحاميه من التواصل معه.

ولا تعد هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها الشقيقان حسن وعيد الشاذلي للاعتقال؛ إذ سبق وأن اعتقلتهما أجهزة الأمن في 22 أغسطس 2020 وأخفتهما قسراً لأسابيع قبل ظهورهما أمام نيابة أمن الدولة العليا على ذمة القضية رقم 855 لسنة 2020. وقد ظلا رهن الحبس الاحتياطي لما يقارب ثلاث سنوات قبل الإفراج عنهما في مارس 2023. 

شيماء وعيد الشاذلي

وفي منتصف أغسطس امتدت الحملة الأمنية الغاشمة لتشمل شقيقتين آخريين لمني الشاذلي، حيث قامت أجهزة الأمن المصرية في يوم 17 أغسطس 2026، بإلقاء القبض على إيمان صابر عيد حسن الشاذلي وعرضتها على نيابة أمن الدولة العليا في اليوم التالي، بتهم الترويج لأفكار جماعة ارهابية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ونشر الأخبار الكاذبة ثم قررت النيابة حبسها ١٥ يوماً على ذمة التحقيقات.

وفي 18 أغسطس 2026، ألقت قوة أمنية القبض على شقيقتها شيماء صابر عيد حسن الشاذلي من منزلها بمدينة الإسكندرية، و احتجزتها في مكان غير معلوم وحرمتها من التواصل مع أسرتها ومحاميها، قبل أن تظهر في اليوم التالي 19 أغسطس، أمام نيابة أمن الدولة العليا، والتي قررت حبسها لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات.

وكانت عناصر أمنية قد توجهت، قبل أيام من اعتقال إيمان الشاذلي إلى محل إقامتها وطالبتها بإبلاغ شقيقتها منى الشاذلي بالتوقف عن انتقاد السلطات المصرية ونشر محتوى معارض عبر منصاتها المختلفة. وتدير منى الشاذلي عدداً من الصفحات والقنوات على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، تنشر من خلالها آراءها وتعليقاتها بشأن الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر. وقد تعرضت هذه المنصات للإغلاق بصورة متكررة، شملت ثماني صفحات على فيسبوك، وسبعة حسابات على تيك توك، وأربعة حسابات على منصة إكس (تويتر سابقاً)، وخمس قنوات على يوتيوب، إلا أن ذلك لم يحل دون استمرارها في إنشاء منصات جديدة ومواصلة التعبير عن آرائها ونشاطها العام.

ايمان الشاذلي

وتجدر الإشارة إلى أن إيمان الشاذلي مواطنة مصرية بريطانية ومقيمة في المملكة المتحدة، وكانت قد عادت إلى مصر لرعاية والدتها المسنة ومتابعة أوضاع أشقائها المحتجزين قبل أن يتم استهدافها هي الأخرى في واقعة تكشف عدم اكتراث السلطات في مصر للحقوق القانونية والدستورية لمواطنيها، وتتعمد معاقبتهم بشكل جماعي لتكميم أفواه ذويهم المعارضين في الخارج.

وتكشف هذه القضية عن استخدام متزامن ومتعدد الأوجه لوسائل القمع والانتقام، إذ لم تكتفِ السلطات المصرية باستهداف أفراد الأسرة داخل مصر، بل امتد أثر هذه الممارسات إلى المملكة المتحدة، حيث تعرضت منى الشاذلي نفسها لسلسلة من الانتهاكات الخطيرة التي تثير المخاوف حول سلامتها وأمانها الشخصي.  ففي سبتمبر 2020 تعرضت سيارتها للسرقة من أمام منزلها قبل أن تعثر عليها شرطة العاصمة البريطانية العثور عليها متضررة بالكامل في أبريل 2021 ، كما أفادت بتعرضها لوقائع دفعتها للاعتقاد بأنها قد تكون محل مراقبة أو تتبع، حيث وثقت عبر تسجيلات مصورة ظهور أجسام ضوئية متحركة مجهولة -تشبه طائرات الدرون- في محيط محل إقامتها بالمملكة المتحدة خلال فترات زمنية مختلفة.

كما اطلعت المؤسسة على رسائل صوتية وتهديدات مباشرة أُرسلت إلى منى الشاذلي عبر حسابات متعددة على منصات التواصل الاجتماعي تحمل شعار وزارة الداخلية المصرية. وتضمنت تلك الرسائل عبارات تهديد صريحة، من بينها: “هنجيبك”، و”هنسحلك”، و”هنجلدك”، و”اللي زيك لازم يتعدم”. ولا يمكن النظر إلى هذه العبارات بوصفها مجرد إساءات أو مضايقات إلكترونية، إذ تنطوي على تهديدات مباشرة بالعنف الجسدي والتحريض على الانتقام، وتستهدف بث الخوف والترهيب وزعزعة شعورها بالأمان بسبب نشاطها وآرائها السياسية.


وتعد حالة منى وعائلتها هي أحدث حلقات مسلسل استهداف أقارب المعارضين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان المصريين المقيمين في الخارج والذي شهد تصاعداً ملحوظ في الآونة الأخيرة. ففي أغسطس 2026، اعتقلت السلطات المصرية أحمد سمير محمد الأمين، شقيق السياسي المصري المقيم في المملكة المتحدة عمرو عبد الهادي، كما أفاد الصحفي المصري أبو بكر إبراهيم خلاف، المقيم خارج مصر منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، في شهادة مصورة بأن شقيقه تعرض للاعتقال والاحتجاز على خلفية نشاطه الصحفي في الخارج. وتأتي هذه الوقائع امتداداً لحالات سابقة شملت احتجاز والد الصحفي أحمد جمال زيادة، ومداهمة منازل أقارب المدافع الحقوقي محمد سلطان واعتقال عدد منهم، واحتجاز والد الباحث ومقدم البودكاست سيف الإسلام عيد، واستهداف الناشط إسلام خليل للضغط على شقيقه المدافع عن حقوق الإنسان نور خليل.

وقال كريم عبد الراضي المدير التنفيذي لمؤسسة دعم القانون والديمقراطية “إن غياب ردود الأفعال الدولية الملائمة وعدم تحمل السلطات المصرية عواقب أفعالها أو تأثر علاقاتها الدولية بسجلها الحقوقي شجعها على التمادي في ممارسة القمع العابر للحدود. أنها تحاول مصادرة حرية التعبير في الخارج بأساليب أمنية مشابهة لتلك التي تستخدمها في الداخل لإغلاق المجال العام وملاحقة الناقدين والتنكيل بهم؛ ظناً منها أن مساحات التعبير المتاحة للمعارضين في الخارج تهدد احتكارها للرواية وسيطرتها على منافذ الرأي، في ظل إيمانها بأن استخدام الحلول الأمنية الضمانة الوحيدة لبقائها ومواجهة مشاكلها الداخلية، وفي ظل غياب أي إرادة سياسية لاتخاذ أي خطوات للتحول الديمقراطي، أو استخدام الحوار والحلول السياسية لتدارك الأوضاع المتردية، والانتقادات الموجهة لها”
وأضاف عبدالراضي “أن التعامل مع الأسر والأقارب باعتبارهم ‘رهائن’ للضغط على ذويهم هي ممارسة قديمة اعتادت وزارة الداخلية في مصر استخدامها ضد المتهمين الجنائيين لدفعهم لتسليم أنفسهم، أو انتزاع الاعترافات منهم، غير أن السلطات طورت هذا الموروث لتستخدمه اليوم ضد المعارضين السياسيين وأصحاب الرأي بالخارج لإجبارهم على الصمت فيما يعرف دوليا بالعقاب بالوكالة.* ولم تعد ممارسة مقتصرة على وزارة الداخلية، بل امتدت لتشارك فيها نيابة أمن الدولة وبعض الدوائر القضائية المختصة بقضايا الإرهاب، عبر استخدام الحبس الاحتياطي كأداة لمعاقبة أصحاب الرأي وذويهم، وهو ما يشكل خرقاً صارخاً لمبدأ شخصية العقوبة والمسؤولية الفردية، وللحقوق والحريات الملزمة لمصر بموجب دستورها والتزاماتها الدولية، ويهدد دولة القانون بأكملها”.

وقد أقرت الحكومة البريطانية رسمياً بأن التهديدات بالعنف، والمراقبة، والملاحقة، والاستهداف الرقمي، والضغوط الموجهة ضد المعارضين المقيمين على أراضيها قد تندرج ضمن ممارسات القمع العابر للحدود عندما تكون موجهة أو مدفوعة من قبل دولة أجنبية. كما اعترفت دول مجموعة السبع، التي تعد المملكة المتحدة عضواً فيها، بأن هذه الممارسات تمثل شكلاً من أشكال التدخل الأجنبي الذي يستهدف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمعارضين السياسيين والجاليات المقيمة خارج بلدانها الأصلية، ويشمل كذلك التهديدات الموجهة ضد أفراد أسرهم.

وفي ضوء هذه المعايير، فإن الوقائع التي تعرضت لها منى الشاذلي، بما في ذلك التهديدات المباشرة، والاستهداف الرقمي، والوقائع المرتبطة بالمراقبة أو التتبع، بالتزامن مع استهداف عدد من أفراد أسرتها داخل مصر، تستوجب تقييماً جاداً من السلطات البريطانية في إطار القمع العابر للحدود والتدخل الأجنبي المحتمل، واتخاذ التدابير اللازمة للتحقيق في هذه الوقائع وضمان تمتعها بحقوقها وحرياتها وأمنها الشخصي دون ترهيب أو انتقام، وذلك اتساقاً مع السياسات والأطر القانونية التي اعتمدتها المملكة المتحدة، بما في ذلك قانون الأمن القومي لعام 2023.

وتطالب مؤسسة دعم القانون والديمقراطية بـ :
أولاً: إلى السلطات المصرية

  • الإفراج الفوري وغير المشروط عن حسن صابر الشاذلي، وعيد صابر الشاذلي، وإيمان صابر عيد حسن الشاذلي، وشيماء صابر عيد حسن الشاذلي، وجميع المحتجزين تعسفياً على خلفية هذه القضية، وإسقاط الاتهامات الموجهة إليهم.
  • الكشف الفوري عن مصير ومكان وجود صابر محمد عيد حسن الشاذلي، وتمكينه من التواصل مع أسرته ومحاميه، وضمان حمايته من التعذيب وسوء المعاملة، والإفراج عنه فوراً.
  • وقف جميع أشكال الاستهداف والمضايقة والانتقام الموجهة ضد منى الشاذلي بسبب ممارستها السلمية لحقها في حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك استهداف أفراد أسرتها أو استخدام الإجراءات الأمنية والقضائية أو أي وسائل أخرى للضغط عليها بسبب نشاطها وآرائها السياسية.
  • وقف استهداف أفراد أسر المعارضين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان المقيمين في الخارج، واحترام مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية، وعدم استخدام الروابط الأسرية كوسيلة للضغط أو الانتقام.
  • التوقف الفوري عن جميع ممارسات القمع العابر للحدود الموجهة ضد المعارضين والناشطين المصريين المقيمين في الخارج، بما في ذلك التهديدات المباشرة وغير المباشرة، والاستهداف الرقمي، وأعمال الترهيب والمراقبة، واستهداف أفراد الأسرة كوسيلة للضغط أو الانتقام بسبب ممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير.
  • إجراء تحقيق مستقل وشفاف في وقائع الإخفاء القسري والانتهاكات المصاحبة لعمليات القبض والاحتجاز الواردة في هذا البيان، ومحاسبة المسؤولين عنها.

ثانياً: إلى السلطات البريطانية

  • التدخل الدبلوماسي العاجل وتوفير الحماية القنصلية الكاملة للمواطنة البريطانية إيمان الشاذلي المحتجزة في مصر، والمطالبة بإطلاق سراحها فوراً.
  • ضمان الحماية اللازمة لمنى الشاذلي وتمكينها من ممارسة حقوقها وحرياتها دون ترهيب أو انتقام، واتخاذ التدابير المناسبة لحماية الأفراد المقيمين على الأراضي البريطانية من التهديدات والضغوط المرتبطة بنشاطهم السياسي أو الحقوقي المشروع.
  • فتح تحقيق رسمي وجاد في وقائع التهديدات المباشرة بالعنف، والاستهداف الرقمي، والوقائع المرتبطة بالمراقبة أو التتبع التي تعرضت لها منى الشاذلي داخل المملكة المتحدة، وتقييمها في إطار ممارسات القمع العابر للحدود والتدخل الأجنبي المحتمل، واتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها وضمان تمتعها بحقوقها وحرياتها دون ترهيب أو انتقام.
  • الوفاء بالتزامات المملكة المتحدة المعلنة في مواجهة القمع العابر للحدود والتدخلات الأجنبية، بما في ذلك الالتزامات الناشئة عن سياساتها الوطنية والتعهدات الدولية ذات الصلة، واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق الأطر القانونية المعمول بها، بما فيها قانون الأمن القومي لعام 2023.

(العقاب بالوكالة: ما يُعرف دولياً بالقمع بالوكالة، هو ألا يقتصر الاستهداف على الشخص المعني بالنشاط السياسي أو الحقوقي، وإنما يمتد إلى أفراد أسرته بهدف الضغط عليه أو معاقبته أو ردعه عن مواصلة نشاطه. ويتعارض هذا النمط من الممارسات مع مبدأ المسؤولية الفردية الذي يقوم عليه القانون الجنائي، إذ لا يجوز تحميل أي شخص تبعات أفعال أو آراء أو مواقف منسوبة إلى غيره.)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *